تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
اختيارهم ، إذ العلم الأزليّ ليس علّة لوجود المعلوم ، بل هو تابع له كما عرفت . وأمّا الجواب عن الشبهة على رأي الأشاعرة ، فبأن يقال : إنّهم لمّا ذهبوا إلى أنّ جميع الحوادث بل جميع الموجودات الممكنة من اللّه تعالى وهو سبب الكلّ . فإن قيل : فلم العقاب ؟ قالوا : إن كان المراد الغرض من العقاب فلا غرض ، وإن كان المراد السّبب ، فهو اللّه تعالى ولا يسأل عمّا يفعل . وهذا الذي ذكرناه في تقرير هذه الشبهة وجوابها إنّما هو نبذ ممّا ذكروه في هذا المقام ، وتفصيل المقام يقتضي بسطا في الكلام ليس هنا محلّه ، وحيث كان هذا الذي ذكرناه كلاما وقع في البين بالتقريب ، فلنرجع إلى ما كنّا نحن بصدده .

[ الثواب والعقاب في البرزخ ]

فنقول : إنّك بعد ما أحطت خبرا بما فصّلناه وبيّناه ، تلخّص لك أنّ حال النفس الإنسانيّة بعد مفارقتها عن البدن العنصريّ أنّها تكون في ضمن بدن مثاليّ ، وتكون لها في ضمنه سعادة وشقاوة حسّيّتان كما دلّ عليه الشرع الشريف وفصّل ذلك فيه ، ويؤيّده العقل أيضا ، مضافا إلى السعادة والشقاوة العقليّتين اللتين هما لها بالقياس إلى ذاتها كما دلّ عليه العقل ولم ينكره الشرع . وأنّ كلّ ما يرد عليها من اللذّات والآلام الحسّيّتين بعد المفارقة عن البدن إلى قيام الساعة هو من جنس عالم المثال ، حتّى أنّ ظهور الملكين الكريمين اللذين يسألانها في القبر تارة بصورة حسنة ، وتارة بصورة مهيبة منكرة ، يمكن أن يكون بظهورهما كذلك في ضمن القالب المثاليّ ، سواء قيل بكون الملائكة ذواتا مجرّدة عقليّة كما هو رأي كثير من الحكماء ، أو بكونهم أجساما نورانيّة ذوات نفوس مجرّدة شريفة كما هو ظاهر الشرع الشّريف ، فإنّه على التقديرين ، لا امتناع عقلا ولا شرعا في أن يكون لهم مظاهر جسمانيّة مثاليّة يظهرون فيها بصور مختلفة . واللّه تعالى يعلم . نعم ، قد دلّ الشّرع على أنّ بعض الأحوال الواردة على النفس من الأمور الحسّيّة ، كضغطة القبر بل السؤال والجواب ، تكون للنفس في ضمن البدن الأوّل العنصريّ ، كما دلّت