تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
عطش ويحتاج إلى بدل ما يتحلّل ، بل هي لذّة حقيقيّة . وأمّا أنّ التحلّل البدنيّ لا يكون فيه فسنشير إليه . الثالث : أنّ تلك الأخبار حيث تدلّ بفحاويها على أنّ تلك القوالب المثاليّة لطيفة في الغاية ، روحانيّة جدّا ، باقية دائمة كائنة على صفة الأجساد الدنيويّة دائما لا تتطرّق إليها شائبة تغيّر أو تبدّل أو زوال أو نحوها ، وبالجملة الحالات التي هي من جهة المادّة الجسمانيّة ، فتدلّ على أنّ كلّ اللوازم الجسمانيّة التي هي من جهة المادّة منتفية عن تلك القوالب وعن ذلك العالم ، فيظهر منه أنّه ينتفي عنها ما في العالم الحسّيّ من صفات البسائط العنصريّة والاسطقسّات كالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والثقل والخفّة وأمثال ذلك . وكذا صفات المركّبات منها من المعدنيّات وغيرها . وكذا صفات النبات وأفعالها ، من الجذب والإمساك والهضم والدفع والتصوير والتشكيل والتخليق والإنماء والتوليد والتحلّل ونحو ذلك . وبذلك يظهر أن ليس لها قوى نباتيّة ، وأنّ الأكل والشرب الواردين في الأخبار ليسا ليكونا بدلين عمّا يتحلّل . وأنّ لذّتهما في ذلك العالم لذّة حقيقيّة ليست مثل ما في النشأة الحسّيّة . وكذا ينتفي عنها الصفات التي للأفلاك من جهة موادّها التي هي متغيّرة في حدّ ذاتها ، مع أنّ بعض ما تضمّنته تلك الأخبار من الحالات التي لتلك الأرواح في ضمن تلك القوالب كالأكل والشرب والحركة الأينيّة ونحوها ، ينفي أيضا كونها أجراما فلكيّة ، إذ ليس لها ذلك . وما فصّلناه جملة من أحوال هذا العالم استفدناها من تلك الأخبار بحسب فهمنا القاصر . وبه يظهر وجه تسمية هذا العالم بعالم المثال من جهة كونه مماثلا للعالم المحسوس الجسمانيّ المادّيّ في كثير من الصفات واللوازم ، وإن كان مغايرا له في بعض آخر . وكذا يظهر وجه كون هذا العالم عالما متوسّطا بين العالم الحسّيّ والعقليّ من جهة أنّه ليس في كثافة المادّيّات ولا في لطافة المجرّدات ، وأنّه ينتفي عنه بعض لوازم الجسميّة ويثبت لها بعض آخر منها . وهذا مطابق أيضا لما قال به الحكماء القائلون بهذا العالم كما