تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
ومنها أنّ بدن الإنسان ومزاجه مركّب من طبائع متضادّة وكيفيّات متعاندة ، وهو محتاج في معاشه وصلاح حاله إلى أغذية وأشربة مختلفة ، إن سالمت بعضا عاندت آخر ؛ وهو - مع تلك المعاندات - من داخل بدنه واقع في معرض الآفات ومورد البليّات من خارجه ، إن انتهز بعضها فرصة ، غلب صاحبه فأفسده وأدّى إلى هلاك بدنه وجسده من قريب ، بل ربما أدّى بتوسّطه إلى هلاك روحه ونفسه أيضا ، فيحتاج ضرورة إلى ضرب من التدبير في غذائه وشرابه وسائر وارداته ليسلم من الآفات ويبقى به مدّة يمكنه فيها الترقّي إلى الكمال المقدّر له . ومعلوم أنّ معرفة مضارّها ومنافعها ومسالمها ومنازعها لا يمكن بالتجربة ، فإنّ دواء واحدا أو غذاء وشرابا يختلف أثره في الأمزجة المختلفة والأمكنة المختلفة والأزمنة المختلفة ، بل في شخص واحد بحسب أحوال وأوقات مختلفة لا تكاد تنضبط برابط ، فضلا عن جميع الأغذية والأشربة والأدوية بكثرتها التي لا يحصيها ولا يجمعها الارتباط ؛ ولو كان الطريق إلى معرفتها هو التجربة ، لكان في مدّة تجربة شيء واحد هلاك المجرّبين من الناس كلّهم أو جلّهم . وعلى تقدير فرض حصول معرفتها بالتجربة ، لكان ذلك في أقلّ قليل منها ، لا في أكثرها ولا في كلّها . وعلى تقدير تسليم حصول ذلك بالنسبة إلى أكثرها أو كلّها ولو في أزمنة متطاولة وأعصار متمادية ، فلا يخفى أنّ التجربة إنّما تفيد معرفة طبائع الأشياء التي للتجربة دخل في معرفتها ، وللعقل سبيل إلى العلم بها . والحال أنّ في الوجود والطبيعة وفيما يحتاج إليه الإنسان في نظام معيشته وصلاح حاله وبقاء نوعه وشخصه أشياء مثل أغذية وأشربة ومساكن وملابس وأفعال ، لتلك الأشياء خواصّ وأحكام ، بعضها مقرّبة للإنسان إلى رحمة اللّه تعالى وإلى ساحة عزّه وكبريائه ، وبعضها مبعّدة عن ذلك ، وبعضها ممّا ينفع جسده أو روحه أو كليهما ، وبعضها يضرّه كذلك ؛ وأنّ تلك الخواصّ والأحكام ممّا ليس للتجربة إليها سبيل ، ولا من العقل عليها دليل ، بل لا يعلمها إلّا علّام الغيوب ، وإلّا من هو مبعوث من عنده تعالى . وحيث كان الأمر كذلك ، فاحتاج الإنسان في نظام معيشته وبقاء نوعه وشخصه وصلاح حال روحه وجسده ، إلى رئيس أديب يؤدّبهم ، ومعلّم يعلّمهم ، ومبيّن
منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 153 | ملا نعيما العرفي الطالقاني