تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
إلّا هو وحده ، وإلّا الأمور الموجودة في الطبيعة له لهلك أو لساءت معيشة أشدّ سوء ، وتفصيل ذلك لا يناسب المقام . بل الإنسان محتاج إلى أمور أزيد ممّا في الطبيعة ، مثل الغذاء المعمول واللباس المعمول والموجود في الطبيعة من الأغذية ما لم يدبّر بالصناعات ، فإنّها لا تلائمه بل يخسر « 1 » معها معيشته ، وكذا الموجود في الطبيعة من الأشياء التي يمكن أن تلبس أيضا ، فقد يحتاج إلى أن تجعل بهيئة وصفة حتّى يمكنه أن يلبسها . وأمّا الحيوانات الأخرى ، فإنّ لباس كلّ واحد معه في الطباع ، فلذلك يحتاج الإنسان أوّل شيء إلى الفلاحة ، وكذلك إلى صناعات أخرى لا يمكن للانسان الواحد تحصيل كلّ ما يحتاج إليه من ذلك بنفسه ، بل بمشاركة مع غيره ، أي أن يكون مكفيّا بآخر من نوعه ، يكون ذلك الآخر أيضا مكفيّا به بنظيره ، حتّى يكون هذا يخبز لهذا ، وذلك ينسج لذلك ، وهذا ينقل شيئا من بلاد غريبة إلى ذلك ، وهذا يعطيه بإزاء ذلك شيئا من قريب ، وهذا يخيط لهذا ، وهو ينجر له ، وأمثال ذلك من المعونات التي لا تتناهى . وبالجملة ، فهو يحتاج في ضرورات المعاش من المسكن والمطعم والملبس ، ودفع الأعداء والتحرّس من طوارق البلاء ، إلى أشياء كثيرة من الزرع والغرس والحصاد والطحن والطبخ والغزل والنسج والحياكة والخياطة وأدوات ذلك كلّه ، وكذا إلى البناء ومحاويجه وأسباب البناء وأسلحة الحروب وغير ذلك مما لا يحصيها غير علّام الغيوب ، وهي أشياء لا يستطيع لها ولا يقوى عليها إنسان واحد ، ولا مائة ولا ألف ؛ بل يحتاج إلى جماعة كثيرة يجتمعون في مكان واحد ومساكن متقاربة ، يعمل كلّ فرقة منهم عملا ، فيتعاونون ويتعاضدون ، ويتعاوضون أعمالهم ، ويتبادلون صنائعهم ، فيقع بينهم المعاملات في حقوقهم ومساعيهم . فلهذه الأسباب وأسباب أخرى أخفى وآكد من هذه يحتاج الإنسان إلى أن يكون له في طبعه قدرة على أن يعلم الآخر الذي هو شريكه بعلامة وضعيّة ، وكان أخلق ما يصلح لذلك هو الصّوت ، لأنّه ينبعث إلى حروف يتركّب منها تراكيب كثيرة من غير مئونة تلحق البدن في ذلك ، ويكون سيّالا لا يثبت ، فيأمن من وقوف
هامش
( 1 ) - لا يحسن خ ل .