تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
وكذلك يظهر منه أنّ النفس التي لكلّ حيوان أو إنسان هي جامعة لاسطقسّات بدنه ، ومؤلّفها ومركّبها على نحو يصلح معه أن يكون بدنا لها ، وهي حافظة لهذا البدن على النظام الذي ينبغي ، فلا يستولي عليه المغيّرات ما دامت النفس موجودة فيه أو معه ، ولولا ذلك لما بقي على صحّته . وممّا ينبّه على ما ذكرنا ، ملاحظة ما يلاحظ من قوّة القوة النامية مثلا وضعفها عند استشعار النفس الناطقة قضايا تحبّها أو تكرهها محبّة وكراهة ليست ببدنيّته البتّة ، وذلك عندما يكون الوارد على النفس تصديقا ما . وليس ذلك مما يؤثّر في البدن بما هو اعتقاد ، بل يتبع ذلك الاعتقاد انفعال من غمّ أو سرور . وذلك أيضا من المدركات النفسانيّة ، وليس ممّا يعرض للبدن بما هو بدن ، إلّا أنّه يؤثّر في القوّة النامية الغاذية ، حتّى يحدث فيها من العارض الذي يعرض النفس أوّلا - كالفرح النطقيّ - شدّة ونفاذ في فعلها ، ومن العارض المضادّ لذلك - كالغمّ النطقيّ الذي لا ألم بدنيّ فيه - ضعف وعجز حتّى يفسد فعلها . وربما انتقص المزاج به انتقاصا . بل ربّما كان الوارد على النفس الناطقة موجبا لتأثّر القوّة الحيوانيّة وقوّتها وضعفها . وكذلك ربّما يكون الواردات على كلّ من النّباتيّة والحيوانيّة موجبة لضعف الأخرى وقوّتها . وكذلك ربّما يكون الواردات عليهما موجبة لتأثّر القوّة الناطقة وقوّتها وضعفها ، وكلّ ذلك ممّا يجده الإنسان من ذاته في الأحوال الواردة عليه ، ودليل على ما ذكرنا من وحدة النفس وتعدّد قواها . فإنّها لو كانت متعدّدة كما قد يظنّ ، لما كان لضعف حال إحداها أو قوّتها مدخل في ضعف حال الأخرى أو قوّتها ، وكذلك هو دليل على أنّ تلك النفس جامعة لقوى الإدراك واستعمال الغذاء ، وهي واحدة ليست لها هذه منفردة عن تلك . وإذا عرفت ما ذكر ، تبيّن لك أنّ النفس مكمّلة للبدن الذي هي فيه أو معه ، وحافظة على نظامه الأولى به أن يتفرّق ويتميّز ، إذ كلّ جزء من أجزاء البدن يستحقّ مكانا آخر ، ويستوجب مفارقة لقرينه ، وإنّما يحفظه على ما هو عليه شيء خارج عن طبيعته ، وذلك الشيء هو النفس في الحيوان والإنسان . فالنفس إذن كمال ، موضوع ذلك الموضوع يتقوّم