تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
يجانسه ، فرجعت الروح الإنسانيّة إلى البدن ، ورجعت الروح الحيوانيّة أيضا إليه بتبعيّتها ، فسكنت في بدن صاحبها ، وبقيت علاقتها بالبدن وبمطيّتها كما كانت أوّلا . وإن لم يأذن اللّه عزّ وجلّ بردّ تلك الروح على صاحبها ، جذب الهواء الريح - أي الروح الحيوانيّة - جذب المجانس لما يجانسه ، فجذبت الريح الروح جذب المطيّة لراكبها ، فلم تردّ على صاحبها إلى وقت ما يبعث . وهذا الذي ذكرنا هو ، - واللّه أعلم - وجه التأويل في هذا الحديث الشريف . ومنه يعلم وجه التأويل في الحديث الثاني أيضا ، فإنّ قوله عليه السلام فيه : « والروح جسم رقيق قد ألبس قالبا كثيفا » لعلّه أراد به ، أنّ الروح - أي الروح الحيوانيّ - جسم لطيف كما وصفناه ، قد ألبس قالبا كثيفا ، وجعل ذلك القالب متعلّقا له نوع تعلّق . وأنّ ذلك القالب الكثيف هو البدن ، وهو - خصوصا أعضاؤه الرئيسة كالقلب والدماغ والكبد - معدن لتولّد ذلك الروح الحيوانيّ ، وأنّ تعلّق الروح الإنسانيّة التي هي جوهر مجرّد عن المادّة ، إنّما يكون أوّلا بذلك الجسم اللطيف ، وبتوسّطه بالبدن . وبما ذكرنا يتّضح شرح باقي الحديث الشريف ، إلّا أنّه حيث كانت فيه إشارات إلى أمور ، فلا بأس أن نبيّنها . فنقول : إنّ قوله عليه السلام في جواب سؤال السائل : « فأين الروح ؟ » إشارة إلى أنّه إذا مات الإنسان وفني بتلاشي أعضائه وتفرّق أجزائه ، يبقى الروح ، أي ذلك الجسم اللطيف ، بمادّته بل بصورته أيضا ، في بطن الأرض ، أي في قبره ، وحيث مصرع بدنه ومسقط الأجزاء البدنيّة منه إلى وقت البعث . وأنّه لا امتناع في ذلك ، فإنّ ذلك الجسم اللطيف ليس عرضا قائما بموضوع ، أي البدن ، حتّى يكون فناء موضوعه وتلاشي أجزائه موجبا لانعدامه كما هو شأن العرض ، بل هو جوهر قائم بذاته ، وإن كان معدن تولّده أجزاء البدن كلّها أو بعضها . فإنّه ليس يلزم من انعدام معدن التولّد انعدام ما يتولّد منه الذي هو جوهر قائم بذاته ، بل يمكن أن يكون ما يتولّد منه باقيا ومتعلّقا نوع تعلّق بالمادّة البدنيّة ، كما دلّ عليه قوله عليه السلام في الحديث .