تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنقذ من التقليد — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
وأمّا تعجّبهم من طول بقائه وعمره ، ثمّ من طول استتاره ، فالكلام عليه أن نقول : التعجّب من طول العمر إمّا أن يكون من حيث اعتقاد المتعجّب أنّ ذلك مستحيل ، وهو غير مقدور ، وإمّا أن يكون من حيث كونه خارقا للعادة . أمّا الأول فهو قول الدهرية والطبائعيّين الذين لا يقرّون بالصانع المختار العالم ، ويكذّبون بما جاء في القرآن من قوله تعالى في نوح :
« فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً »
« 1 » وفي أصحاب الكهف :
« وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً »
« 2 » وبما هو مشهور بين الامّة من قصّة المعمّرين من الأنبياء والحكماء والملوك وغيرهم ، على ما جاء في التفاسير والآثار والقصص ، وليس هذا من مذهب فرقة من فرق المسلمين . وأمّا الثاني وهو أنّه خارق للعادة فلا شكّ فيه ، ولكنّا قد بيّنا في الكلام في النبوّة أنّ خرق العادة في حقّ غير الأنبياء جائز حسن ، وأنّه ليس فيه وجه قبح ، ويوافقنا على ما ذكرناه الصوفيّة وأصحاب الظاهر والأشعرية ، فلا وجه للاستعجاب من هذا الوجه أيضا ، والتعجّب من طول استتاره وغيبته وعدم العثور على مستقرّه ، فممّا لا يصح التمسّك به في إبطال وجوده ، فكم من وليّ للّه تعالى يسيح في الأرض يعبده تعالى ، وينفرد عن الخلق ، لا يعرف أحد لهم مكانا ، ولا يدّعي انسان لقائهم ولا الاجتماع معهم ، أليس الخضر عليه السلام موجودا قبل زمن موسى عليه السلام وإلى وقتنا هذا بإجماع أهل النقل واتّفاق أهل السير والأخبار ؟ سائح في الأرض لا يعرف أحد له مستقرا ، ولا يدّعي أحد أنّه صحبه ، إلّا ما جاء في القرآن في قصّته عليه السلام مع موسى عليه السلام ، وما يقوله « 3 » . . . بحيث لا يعرف ، ويظن من رآه أنّه بعض الزّهاد ، فإذا فارق
هامش
( 1 ) العنكبوت : 14 . ( 2 ) الكهف : 25 . ( 3 ) بياض في نسخة ( ج ) بمقدار ثلاث كلمات .
المنقذ من التقليد — صفحة 398 | الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي