وخصّصناه بأدلّة الشرع ، لأنّ ما يدلّ على سقوط وجوب الفعل في المستقبل من جهة العقل ، كالعجز أو فقد العقل أو الآلة وما جرى ذلك المجرى ، لا يوصف بأنّه ناسخ .
وشرطنا التراخي ، لأنّ ما يقترن بالدليل الأول ممّا يقتضي زوال وجوب مثل الفعل في المستقبل من ذكر غاية معيّنة ، كقوله :
« ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ »
« 1 » وقوله تعالى :
« وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ، فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ »
« 2 » لا يوصف أيضا بأنّه ناسخ وكذا لو قال موسى : « الزموا السّبت إلى وقت كذا » ، لم يكن سقوط وجوب لزوم السبت عند تلك الغاية نسخا . ولو قال ذلك القول مطلقا ، ثمّ قال بعد ذلك بزمان : « سقط عنكم وجوب لزوم السّبت » لكان ذلك نسخا .
إذا تبيّن حدّ النسخ وحقيقته ، فالذي يدلّ على جوازه هو أنّ الذي لأجله حسن التعبّد بالشرائع وبعثة الأنبياء بها ، من المصالح المتعلّقة ببعض أفعالنا والمقاصد المتعلّقة ببعضها يجوز تغيّر الحال فيها بأن يصير ما هو مصلحة لنا في وقت مفسدة في وقت آخر ، وما يكون مفسدة في وقت يصير مصلحة في وقت آخر ، كما علم من حال الحائض والطاهر والمقيم والمسافر ، فغير ممتنع أن يعلم تعالى أنّ مكان مصلحة في وقت يكون مفسدة في غيره من الأوقات وكذا ما يكون مصلحة لقوم غير ممتنع أن يكون مفسدة لغيرهم ، فلا بدّ عند علمه تعالى بذلك من أن يدلّ المكلّفين على ذلك من حال الفعل إزاحة لعلّتهم فيما كلّفهم .
إذا تقرّر هذا فأيّ فرق بين أن يدلّ على ذلك بذكر غاية متّصلة بالدليل الأوّل ، مثل أن يقول : « الزموا هذه العبادة إلى وقت كذا ثمّ اتركوها بعد
هامش
( 1 ) البقرة : 187 .
( 2 ) البقرة : 222 .