لأنّ الغرض في سائر التكاليف مجرّد تعريض المكلّف للمنافع فإذا لم يفعل ما كلّف ولم يصل إلى المنافع التي عرض لها أتى في ذلك من قبل نفسه ، وتكليف النبوّة الغرض الأصليّ فيه يتعلق بغير النبيّ على ما أشرنا إليه ، وإن كان فيه غرض يرجع إلى النبيّ فذلك على وجه التبع ، فلا يجوز أن يكون الأمر على ذلك ، ومع هذا يكتم ولا يؤدّي ، لأنّ ذلك مخلّ بإزاحة علّتهم في التكليف .
فأمّا الآيات والأخبار التي تمسّك بها من يخالفنا في هذه المسألة وزعموا أنّها تقتضي إضافة الزلّات والذنوب إلى الأنبياء ، فقد ذكر سيّدنا المرتضى - رضي اللّه عنه - تأويلاتها في كتابه الموسوم ب تنزيه الأنبياء والأئمة ، وبيّن أنّها لا تقتضي صحّة إضافة معصية إلى نبيّ ، فمن أرادها فليطلبها منه .
ومن صفات النبيّ أن يكون مجنّبا من الخلق المشينة والأمراض المنفرة على ما جرى في خلال كلامنا . وقد اختلفوا في تفصيل ذلك ، فأجاز بعضهم العمى والصمم على النبيّ ، وزعم أنّهما لا ينفّران . قال : ولهذا تسكن نفوسنا إلى العلماء العمي والصمّ إذا اختصّوا بالفطانة ، إلّا إذا كانا ما نعين من أداء الرسالة ، فحينئذ يجب أن يعصم منها . فاما البرص والجذام وما أشبههما ، فلا خلاف في أنّها لا تجوز على الأنبياء ، لما فيها من التنفير .
والصحيح أنّ العمى والصّمم أيضا غير جائزين عليهم ، لما فيها من التنفير أيضا ، وهذا ظاهر موجود من النفس ، وإن كان التنفير فيهما دون التنفير في الجذام والبرص وما أشبههما .
وينبغي أن يعصم عن كثير من المباحات كالأكل في الطرقات ، ويعصم أيضا عمّا يؤثّر في معجزه ويوهم أنّه من قبله ، كعلم الكتابة ونظم الشعر ، لأنّ ذلك وإن كان فضيلة في كثير من الناس ، الّا أنّه لمّا كان معجزة نبينا ، عليه السلام خاصّة من قبيل الكلام والإخبار عن الغيوب عصم عليه السلام عن ذلك ، لئلّا يوهم أنّ معجزته من قبيل الشعر وأنّه يطالع أخبار الأمم السالفة
المنقذ من التقليد — صفحة 428
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٤٢٨