كون الخبر عن ذلك صدقا ، إذ الخبر الصدق يفهم منه الإخبار عن الشيء ، وأنّ الشيء على ما تناوله .
فكون المخبر على ما تناوله داخل في معنى كونه صدقا ، فكيف يكون دليلا عليه ، مع ما قد علمنا من أنّ شأن الدليل أن يكون مغايرا أو في حكم المغاير للمدلول فلو وصفناه تعالى بالاقتدار على الخبر الصدق عن كونه جاهلا أو محتاجا ، لكنّا قد وصفناه بأنّه يقدر على أن يجعل نفسه جاهلا ومحتاجا ، أو أنّ غيره يقدر على أن يجعله كذلك ، وذلك محال .
وإنما قلنا إنّ وصفه بالقدرة على الخبر الصدق عن كونه جاهلا أو محتاجا ، من حيث إن كون الخبر عن ذلك صدقا يقتضي كونه مخبره مطابقا لما تناوله .
وذلك لا يكون إلّا باقتداره تعالى أو باقتدار غيره على أن يجعله كذلك . وليس كذلك القبيح ، لأنّه دليل على كون فاعله جاهلا أو محتاجا ، ولا يدخل كون فاعله جاهلا أو محتاجا في معنى القبيح . ألا ترى أنّ معناه الفعل الذي له مدخل في استحقاق الذمّ عليه ، واقتداره تعالى عليه لا يدخل في ضمنه ومعناه اقتداره أو اقتدار غيره على تصيّره جاهلا أو محتاجا فافترقا من هذا الوجه .
وإذا فرغنا من القول في أنّه تعالى قادر على القبيح ، فلنشرع في أنّه لا يفعله ولا يخلّ بالواجب عليه في حكمته .
والذي يدلّ على أنّه تعالى لا يفعل القبيح ، هو ما قد نبّهنا عليه من قبل ، من أنّ القادر لا يفعل ما يقدر عليه ، إلّا إذا كان له إليه داع ، ولا يصحّ إلّا كذلك ، على ما بيّناه من قبل . ولا شك في أنّه لا داعي له تعالى إلى فعل القبيح ، إذ الداعي إليه إنّما هو العلم أو الاعتقاد أو الظنّ المتعلّق باحتياج القادر إليه ، أو الجهل الذي هو اعتقاد وجوبه ، أو كونه مختصا بوصف زائد على حسنه أو الظن لذلك . ومعلوم أنّ هذا الداعي محال فيه تعالى ، فلا يفعله .
يؤكد ما ذكرناه أنّه تعالى مع أنّ لا داعي له إلى فعل القبيح فله عنه صارف
المنقذ من التقليد — صفحة 159
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص١٥٩