والحق عندي مذهب المعتزلة والدليل عليه أن العقلاء بأسرهم يمدحون راد الوديعة ويذمون الظالم ، فإذا طلب منهم العلة في ذلك رجعوا إلى أن الرد حسن يستحق فاعله المدح ، والظلم قبيح يستحق الذم ، ولولا علمهم باستناد الحسن والقبح إلى الوجوه والاعتبارات التي يقع عليها الأفعال والا لما صح لهم استنادهما إليها .
ولمشايخ المعتزلة طريق آخر ، وهو ان الضرر مثلا انما يقبح إذا كان ظلما وإذا انتفى الظلم انتفى القبح ، ودوران الأثر مع الوصف مشعر بالعلية ، ونحن قد بينا فيما سلف ضعف الدوران .
مسألة : ذهبت المعتزلة إلى أن العلم بحسن بعض الأشياء وقبحها عقلي ، فبعضه ضروري كحسن رد الوديعة وحسن الصدق النافع ، وبعضه نظري كحسن الصدق الضار .
وذهبت الأشاعرة إلى أن ذلك معلوم بالشرع وأنه لا حسن ولا قبح في العقل ، فالظلم لو أمر اللّه به لكان حسنا ولو نهى عن رد الوديعة لكان قبيحا .
وذهبت الأوائل إلى أن العلم بحسن الأشياء وقبحها مستفاد من العقل العملي .
والعدلية قد استدلوا على مذهبهم بوجوه : أحدها : أنا نعلم بالضرورة حسن رد الوديعة وقبح الظلم ، فان أحدا لو ضرب غيره على طوله أو قصره أو لونه أو كون الكواكب في السماء فإن العقلاء
هامش
اما عند أهل العدل فمنهما ما يستقل العقل بدركه ومنهما ما ليس كذلك ، والأول فمنه ما يعلم بالضرورة كشكر المنعم ورد الوديعة . . . ، ومنه ما يعلم بالنظر كالعلم بحسن الصدق الضار وقبح الكذب النافع ، وما لا يستقل العقل بدركه فكحسن صوم آخر يوم من رمضان وقبح صوم اليوم الذي بعده ، فإنه لا طريق للعقل إلى العلم بذلك لولا ورود الشرع » ( قواعد المرام ص 104 ) .