فصل في أن اللطف لا يكون لطفا في الشيء في حال وجوده
اعلم أن شيوخنا لا يختلفون في ذلك ، لأن الموجود متى وجد فكما يستغنى عن القدرة وسائر ما يتمكن به منه ، فكذلك يستغنى عن الألطاف ، ولأن اللطف هو الداعي إلى اختيار الفعل ، فمتى وجد استغنى عما يدعو إلى اختياره .
فإن قال : أفتجوّزون أن يكون لطفا فيما لم يوجد في الحال التي يوجد فيها ؟
قيل له : لا ، لأن الفعل إذا كان ( ) « 1 » وقته ولم يوجد ، فوجوده محال ، ولا يصح أن يكون اللطف لطفا في إيجاد ما يستحيل وجوده .
فإن قال : أليس اللطف يجرى مجرى الداعي إلى الفعل ، ولا يمتنع عندكم أن تدعو الدواعي إلى الفعل في حاله ؛ وهلا جوّزتم مثله في اللطف ؟
قيل له : إنا وإن لم ننكر إثبات الداعي في حال الفعل ، فإنا ننكر أن يكون الفعل واقعا لأجله في حاله ، بل لا بدّ من تقدّمه . وإن جاز أن يدوم ؛ فكذلك نقول في اللطف ، والعلة في الجميع واحدة ، وهي : أن ماله يختار الفعل إنما يحتاج إليه ولما اختاره لكي يختاره . فأما إذا اختار ذلك ودخل في الوقوع فقد استغنى عنه لا محالة .
فإن قيل : فيجب على هذا القول أن لا يحسن منه تعالى أن يخترم المصلّى عقيب فراغه من صلاته ، لأنها لا بدّ أن تكون لطفا في غيرها وأن تتقدّم .
هامش
( 1 ) السطر كله مطموس .