فإن قيل : فيجب على المنعم ، إذا أتاح للمنعم عليه كفران النعمة ، أن لا يحسن منه أن يذمه إذا فعل ذلك .
قيل له : لا يجب ما ذكرته لأن إباحته لا يؤثر في هذا الباب ؛ لأنه يقبح منه كفر النعمة ، لا لأمر يرجع إلى المنعم ؛ بل هو من حقه ، حتى لو أسقطه المنعم ، لما سقط . وقد بينا أن هذا الحسن إنما يؤثر فيما يصح الإسقاط فيه على نحو ما ذكرناه في العقاب .
فإن قال : أليس في الإساءة لا يحسن « 1 » أيضا ، وإن أباحها المساء إليه ؟
قيل : هي وإن كانت كذلك فقد تتغير بقوله ؛ لأن ما هو إساءة إليه قد يحسن بالإباحة ، ولأن ما يستحق على الإساءة يختص هو به . فلذلك سوّينا بين الذم المستحق وبين العقاب .
فإن قيل : أليس لو رغب تعالى المكلف في المعصية ، بحيث لا يعلمه المكلف ، لم تسقط العقوبة ؟
قيل له : لا يمنع أن يقال فيما هذا حاله إنه لا يعتد به وإن قبح ؛ لأن العبد إذا لم يعرفه صار وجوده فيما يرجع إليه كعدمه . فأما إذا علم الترغيب أو الأمر فالحال فيه ما قدّمناه .
فإن قال : فيجب إذا لم يعرف المكلف أنه استفسد أو من اللطف أن يكون بمنزلة أن لا يعرف الأمر والترغيب ولا يمكنه أن يعرفهما .
قيل له : ليس الأمر كما ظننته : لأن تأثير اللطف هو بحدوثه لا لعلم المكلف بحدوثه . وكذلك تأثير المفسدة . وليس كذلك حال الأمر والترغيب ؛ لأن تأثيرهما هو بأن يعلم المكلف حالهما ؛ فلذلك فصلنا بين الأمرين .
هامش
( 1 ) أي لا يحسن الذم .