فصل في أنه تعالى ينتصف للمظلوم في الآخرة وأن ذلك واجب في الحكمة
يدل على ذلك أنه تعالى في تدبيره لعباده فيما يفعله بهم من نفع وتعريض له ، أو دفع ضرر بمنزلة ولى اليتيم والمدبر لولده . وقد يصح أن من هذا حاله يلزمه الانتصاف لبعضهم من بعض ، كما يلزمه النظر في منافعهم ؛ لأنه يجرى بتدبيره لهم مجرى تدبيرهم لأنفسهم لو كانوا عقلاء . وإذا كانوا ينتصفون مع التمكين والمعرفة فيجب أن ينتصف لبعضهم من بعض . يبين ذلك إذا لزمه استيفاء حقوقهم على غيرهم ، فقد لزمه أن يستوفى حق بعضهم من بعض ؛ وهذا هو الانتصاف .
وإذا صح ذلك في الشاهد ، وجب مثله في القديم تعالى .
فإن قال : فيجب أن ينتصف للمظلوم من الظالم في دار الدنيا معجلا ، كما يجب مثل ذلك على الوالد في أولاده .
قيل له : إن الوالد لو علم في حق لأحد ولديه على الآخر ، أولهما على غيرهما أن استيفاءه في بعض الأحوال فساد لكان الواجب عليه أن يؤخره . وإذا علم تعالى أن الصلاح في تأخير الانتصاف ، فواجب أن يؤخره .
فإن قال : أليس في جملة الأعواض ما يلزم تعجيله ؟
قيل له : إن الّذي يلزم ذلك فيه قد أوجبه على من يلزمه وعلى من يقوم بأمره ، أو على الحاكم . فحصل منه تعالى الانتصاف على الوجه الّذي يصح عليه في حال التكليف . وأما ما ليس بمعجل منه فالانتصاف واجب ويفعله تعالى على الوجه