فإن قيل : فما قولكم فيما يفعله سبحانه بالعبد من العمى والزمانة وغير ذلك مما لا يألم به ، أيستحق به العوض أم لا ؟
قيل له : متى كانت الحال هذه فإنه يلحقه الغم ويصير ذلك في حكم الضرر ؛ لأنه يغتم بذلك ويستصبر بتعذر انتفاعه كما لو كانت الآلة حاصلة ولا « 1 » ينتفع بها « 2 » .
فيستحق عليه تعالى العوض . وقد روى عنه صلى اللّه عليه أن اللّه جل وعز يقول :
من أخذت كريمتيه « 3 » في الدنيا لم أرض له إلا الجنة . فبين أن سلب عينيه يوجب عوضا عظيما .
فإن قال : أفتقولون إن العبد يستحق العوض بأن لم يعطه اللّه من الآلات ما لو كان لانتفع به ؟
قيل له : إذا لم يلحقه بفقده ضرر وغم ، فغير واجب به العوض . ولذلك لا يغتم أحدنا بأن لم يخلق اللّه له سوى عينيه من العيون ، وبأن لم يعطه مثل آلات الملائكة من الأيدي والأجنحة . وأما إذا سلبه تعالى إحدى يديه أو عينيه ، فإنه يستحق العوض لما يلحقه من الغم وغيره .
فإن قيل : أفتقولون إن ما يلحق أحدنا من برد وحر يستحق به العوض ؟
قيل له : نعم ، وذلك لأنه ضرر من قبله تعالى ، لأنه المحدث للبرد في الشتاء والحر في الصيف . وإذا أحوجه تعالى بذلك إلى دفعهما عن نفسه ، فهما بمنزلة الجوع والعطش فيما قدمناه . وأما إذا لحقه برد أو حر لأمر خاص بسبب فعله ، فذلك مما لا يستحق به العوض : وذلك نحو أن يقرب من النار أو يقعد في الحمام
هامش
( 1 ) في الأصل لا بدون الواو .
( 2 ) في الأصل به .
( 3 ) مثنى كريمة وهي العين . في القاموس المحيط الكريمة كل جارحة شريفة والكريمتان العينان .