يبين ذلك أنا نعلم مفارقة حال المكلفين في باب الآلام مع تساويهما في الكفر والفسق . فلو كان المفعول بهما عقابا ، لوجب أن يتساويا في حلوله « 1 » بهما بل وفي قدره وسائر صفاته . وبطلان ذلك يبين أن المكلفين إنما افترقوا في ذلك لأنها مصالح وحالهم فيها مختلفة كما افترقوا في سائر ما فعل بهم من خلق الأموال والأولاد وغير ذلك .
ومما يدل على ما نقوله ما اعتمده المشايخ قديما وحديثا من أنه إذا حسن منه تعالى الابتداء بالتكليف - وذلك يتضمن إلزام ما يشق - فإنما « 2 » يحسن ذلك تعريضا للنفع [ لا ] « 3 » لأنه مستحق على ذنب قد تقدم . فيجب أن يحسن منه تعالى أن يفعل فيهم الآلام للمنافع المستحقة من بعد وإن لم تكن مستحقة على ذنب قد تقدم ؛ لأنه لا فرق في العقول بين ما له يحسن إلزام الشاق وفعل الشاق أوله يقبح ذلك . ألا ترى أن أحدنا يحسن منه أن يلزم غيره الشاق لنفع ، وإن لم يفعل الشاق « 4 » للنفع ، ومتى عرى من النفع أو كان أنقص ، لم يحسن واحد منهما ؟
فإن قالوا : من أين أن للتكليف ابتداء وأوّلا فيصح ما ينبنى عليه الكلام ، وما أنكرتم أن العالم أبدا كان بهذه الصورة ؟
قيل له : إن الدلالة قد دلت على حدوث الأجسام والأعراض ، و [ قد ] بينا أن للمكلف صفتين « 5 » يجب أن يكون عليهما حتى يحسن تكليفه ؛ فلا بد من أن يكون له أول ، إذا المكلف وما يختص به من الصفات له أول . وقد أبطلنا القول في الحركات أنه لا أول لها ؛ فلا يصح تعلقهم بمثله في التكليف . على أن القوم
هامش
( 1 ) أي العقاب .
( 2 ) في الأصل وإنما .
( 3 ) ساقطة .
( 4 ) في الأصل يفعل فيه الشاق .
( 5 ) في الأصل صفتان .