وإذا صح ذلك فلقائل أن يقول إنما يجب الإغراء على ما ذكرتم متى لم يكن له سبيل إلى العلم بحسن الألم إلا بأن يعرفه تعالى أو يدل على أنه مستحق . وأما إذا كان له سبيل إلى معرفة ذلك في الجملة من حيث يعلم أنه تعالى لا يفعله إلا على وجه يحسن عليه - وإن شك على التفصيل في وجه حسنه هل هو للنفع أو الاستحقاق - فالإغراء غير واجب . وذلك مما يضعف هذه الدلالة من هذا الوجه . ونحن نتقصاها في الوعيد ، لأن الاعتماد عليها يصح في وجوب تعريف أهل النار أن ما ينزل بهم من الآلام يجب أن تكون مستحقة ؛ لأنه لا وجه يحسن فعلها في الآخرة إلا هذه الوجه . وليس كذلك حال آلام الدنيا ، لأنها يجوز أن تفعل على وجهين .
ومما يدل على ما قلناه أن هذه الآلام لو كانت عقوبات على ما تقدم من المعاصي وكانت الدنيا دار الثواب والعقاب ، لوجب أن لا يحسن منه تعالى التكليف ؛ لأنه إنما يحسن بأن يكون تعريضا لمنزلة عظيمة مفارقة لما يحصل عليه التكليف من منازل اللذات . وقد علمنا أن مثل هذه المنزلة لا تحصل للمكلف في دار الدنيا فيما يصل إليه من الملاذ . وإذا لم يستحق التكليف لذلك ، فيجب أن يستحق العقاب بالإخلال بالواجب ؛ وفي ذلك إبطال القول بالتناسخ أصلا ، لأنه مبنى على استحقاق الثواب والعقاب . وليس لهم أن يقولوا فيما يناله المكلف في الدنيا من ثواب / أو عقاب أن ذلك مقدم عن وقته كما نقوله في الحدود المفعولة بالمصر . ولذلك « 1 » لا يثبتون الآخرة ، ولا يجعلون لوقت الثواب والعقاب صفة يفارق بها ما عليه المكلف في الدنيا . فاتجه الكلام عليهم على ما ذكرناه وإن لم يلزمنا مثله فيما تقدم من العقاب ؛ لأنا نقول فيها إنها لما فيها من المصلحة في العاجل ، فتجرى مجرى سائر ما يفعله تعالى من الأمراض وغيرها . وقد بينا من قبل أن المكلف لو علم أن ثواب طاعاته
هامش
( 1 ) في الأصل وذلك .