وبعد ، فيجب على موضوع قولهم إن كانت لا تصح عليه أن لا يكون أحدنا يضرّ به ، وإنزال الآلام به بالأسباب التي تفعل ظلما ، وأن يكون ضربه كمس « 1 » جسده على وجه لا يؤلم . وبطلان ذلك يبين فساد قولهم .
وبعد ، فإن العقلاء كما يدبر بعضهم بعضا عند الأمراض والأسقام بالأدوية وضروب المعالجات ، فكذلك يدبرون الطفل بمثله . فلولا أن الألم يلحقه لم يكن ليحسن دفع ذلك عنه بالمضار المنزلة به . على أن العاقل قد يجوز أن يجعله اللّه تعالى على صفة لا يكون مكلفا معها : إما لإلجاء ، أو لأنه يغنيه بالحسن عن للقبيح على ما قدمنا ذكره . فيجب على مذهبهم فيمن / هذا حاله أن لا يصح أن يألم . ومتى قالوا ذلك بطلت « 2 » تفرقتهم بين العاقل وغيره ، ولزمهم أن يعلقوا صحة الألم بالتكليف ، وهذا يوجب عليهم في الآخرة إذا زال التكليف أن لا يصح الألم على أهل النار .
وبعد ، فإن التكليف من اللّه تعالى إنما هو تعريف ونصب أدلة وأمر وإرادة ، وكل ذلك لا مدخل له فيما معه يصح في المكلف أن يلتذ ويألم . فكيف يمكن أن يقال إن صحة الألم مقصورة على المكلف ، وأنه يستحيل في غيره ؟
وإنما نقول فيه تعالى إن الآلام لا تصح عليه - لا من حيث لا يكون مكلفا - لكن لاستحالة النفور عليه ولاستحالة التفريق والزيادة والنقصان فيه .
وليس كذلك حال الطفل ، لأنه في هذه الوجوه أجمع بمنزل العاقل ، فيجب أن يكون كهو في صحة الألم عليه .
فإن قالوا : إنا نقول في الطفل الّذي يموت على طفولته أنه لا يألم ، لأن طريقة العقوبة لا تصح فيه ؛ وأما إذا بلغ وكمل عقله فإنه قد يجوز أن يألم ،
هامش
( 1 ) في الأصل كامساس .
( 2 ) في الأصل بطل .