لو أدرك لوجب أن لا يحصل له بالحاسة إيصال وتعلق البتة ، وذلك لا يصح في المدركات ؛ فكما لم يجز أن يقال ذلك فيه ، فكذلك القول فيما سأل عنه .
وإذا جاز في بعضها أن يدرك بحاسة مخصوصة ، وفي بعضها أن يدرك بمحل الحياة فقط ، فما الّذي يمنع من أن يدرك بعضها بمحل الحياة في غيره كالحرارة ، وبعضها بمحل الحياة فيه كالألم ؟
فإن قال : إن المدرك متى ثبت مدركا بالمحل في المحل ، أدى إلى أن يكون المدرك هو المدرك به ، فلو جاز ذلك لجاز مثله في العلة والمعلول .
قيل له : إن المدرك هو الحادث في المحل ، والمدرك به نفس المحل إذ كان فيها « 1 » حياة أحدهما غير الآخر ، فكيف يجب ما ذكرته ؟
فإن قال : لو كان الألم معنى مدركا ، لوجب كونه متولدا من فعلنا عن الوهى ، وقد علمنا أنه يحصل فلا يتولد عند ذلك مع احتمال المحل له ، لأن الوهى هو كون مخصوص قد يحصل بالانتقال والمشي كما يحصل بالشق والجرح .
والمحل يحتمل في الحالتين .
وفي علمنا أنه يتولد والحال ما قلناه دلالة على فساد هذا القول .
قيل له : إنه يتولد عن الوهى وهو التفريق المبطل للصحة ؛ ومتى انتقل ومشى لم يحصل الكون على هذا الوجه إلا أن يكثر منه المشي فيحلق الآلة هذا المعنى كما يلحق التعب ، فيحدث عند ذلك الألم .
وليس يمتنع في السبب أن لا يوجد المسبب إلا عند وقوعه على وجه مخصوص ، لأنه موصل إلى الفعل كالآلة ؛ فكما لا يمتنع في الآلة ذلك ، فكذلك / لا يمتنع في الآلة .
هامش
( 1 ) أي في نفس المحل .