فصار كأنه يتناول جميع ذلك . فإذا امتن تعالى على المكلف بأنه يصرفه بما يفعل من الفضل والرحمة عن اتباع الشيطان الّذي يوجب الهلاك والعطب ، فصار من جهة المعنى يدل على أن كل فعل من قبله يتضمن هذا المعنى فإنه يفعله . فمن هذا الوجه يمكن أن يبطل قول أصحاب اللطف لأنهم يزعمون أن في مقدوره تعالى من اللطف ما لو فعله بالكفار لآمنوا وتركوا اتباع الشيطان . ويدل على ذلك قوله تعالى :
وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ
« 1 »
لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ، وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ وَزُخْرُفاً ، وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ
. فدل بذلك على أنه لم يفعل ما ذكره لكي لا يكون الناس أمة واحدة في الكفر ، وهذا هو المفسدة التي نحكم بأنه تعالى لا يفعلها ويفعل خلافها الّذي هو اللطف . وقد علّمنا أنه لم يرد أن يكونوا أمة واحدة في الإيمان ، لأن ذلك لا يليق « 2 » بما ذكره من الإنعام العظيم على الكفار ؛ وإنما يليق ذلك بأن يكونوا أمة واحدة في الكفر إذا شاهد « 3 » الكفار هذه الأحوال العظيمة ، فبيّن أنه صرفهم عن هذه الأحوال / لكي لا يفسد الناس فيصيروا بأجمعهم كفارا . وبيّن في آخر الآية ما نبه به على أن النعمة بمجانبتهم هذه الأحوال العظيمة أعظم من النعمة بها لو فعلها بهم ؛ لأن فعلها يوجب التمتع بها في أيام الدنيا مع العقوبة في الآخرة ، وإزالتها توجب صلاح الآخرة بقوله :
وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ
.
فإن قال : أفتدل هذه الآية على وجوب اللطف وقبح المفسدة ، أو تدل على أنه سبحانه يختار ذلك ؟
هامش
( 1 ) هكذا : والآية القرآنية «وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِالخ » :
سورة الزخرف 33 .
( 2 ) في الأصل يليق بما : ومعنى يليق هنا يتفق مع ما ذكره الخ .
( 3 ) في الأصل : شاهدوا .