فصل في ذكر الدلالة من جهة السمع على ما نقوله في اللطف
يدل على ذلك قوله تعالى :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا
« 1 » . فدل بذلك على أنا إنما لم نتبعه لأجل فضله ورحمته ولولاه كنا نتبعه .
وما هذا حاله من الفضل والرحمة فهو دون / اللطف الّذي ( يعادله ) . وليس لأحد أن يقول : إرادته تعالى التمكين دون « 2 » اللطف ؛ وذلك أن التمكين معه يصح اتباع الشيطان وترك اتباعه ، ولولاه لما صحّا جميعا ، وظاهر الكتاب يقتضي أن لهذا الفضل والرحمة تخصيصا « 3 » في مفارقة اتباع الشيطان ، ولا يليق ذلك إلا باللطف ؛ ولأنه تعالى استثنى من ذلك فقال
إِلَّا قَلِيلًا
وفي التمكين لا يصح الاستثناء ، لأنه تعالى لو لم يمكّن لما صح من أحد اتباع الشيطان البتة .
فإن قال : إن الاستثناء لم يدخل في هذا الباب ، وإنما عاد إلى قوله :
لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ
« 4 » ، أو إلى قوله :
وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ
« 5 » ، فلا يدل على ما قلتم .
قيل له : إن من حق الاستثناء إذا لم يصح رجوعه إلى كل الكلام أن يكون رجوعه إلى ما يليه أولى . وإذا أمكن أيضا فيه ذلك فكمثل . فلا يصح إذن أن يقال إنه راجع إلى الموضعين اللذين ذكرهما دون ما قلناه .
فإن قال : فما المراد بهذا الاستثناء ؟
هامش
( 1 ) قرآن : سورة النساء : 82 .
( 2 ) دون هنا معناها غير لا بمعنى أخس أو أنقص .
( 3 ) في الأصل : تخصيصا .
( 4 ) جزء من الآية السالفة الذكر .
( 5 ) صدر الآية نفسها .