قيل له : أراد تعالى أن يبين أن في المكلفين من لا يتبع الشيطان سواء وجد ما يكون لطفا لغيرهم أو لم يوجد ، بأن يكون المعلوم من حاله أن يعدل عن ذلك على كل حال ؛ وقد بينا ذلك من قبل ؛ وأن اللطف هو ما يختار عنده الفعل الواجب أو الامتناع من القبيح ؛ وأن حال المكلفين قد تختلف في ذلك : ففيهم من يختار ذلك من دون لطف ، وفيهم من يعصى على كل حال ، وفيهم من اللطف يدعوه إلى اختياره على وجه لولاه كان يعصى .
فإن قيل : أفما تدل هذه الآية على أن دعاء الشيطان قد يكون مفسدة ، وأن اللطف يصرف المكلف عن اتباعه ؟
قيل له : إن ظاهرها لا يدل على أن هذا المكلف لولا الفضل والرحمة كان يتّبع إذا دعاه بفعل المعصية ، ولو لم يدعه كان لا يتبع « 1 » / ، بل يجوز أن يكون المعلوم من حاله أنه كان يفعل المعصية على كل حال « 2 » ، وأن عند هذا الفضل يعدل عنها « 3 » ، ويكون بذلك آكد في كون هذا الفضل والرحمة لطفا .
فإن قال : أفتدل هذه الآية على وجوب اللطف ؟
قيل له : لا تدل على ذلك ، وإنما تدل على أنه قد فعله - ولا يجب فيما دل على أنه فعله أن يكون دالا على وجوبه - مع علمنا أنه قد يفعل ما ليس بواجب كما يفعل الواجب .
فإن قال : أفتدل على أنه سبحانه يفعل كل لطف ؟
قيل له : من حيث الظاهر إنما تدل على أنه قد فعل من ذلك ما لولاه لاتّبع المكلف الشيطان . لكنا علمنا أن الإقدام على كل معصية يتضمن اتباع الشيطان ،
هامش
( 1 ) أي كان لا يتبع الشيطان .
( 2 ) أي سواء دعاه الشيطان إلى المعصية أو لم يدعه .
( 3 ) في الأصل عنه ، ولكن المراد المعصية فيجب التأنيث .