تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعاد الجسماني — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
وعند اليأس من صلاحية موجودات عالم الدنيا ، يبدأ يفكر بعالم آخر خارج عالم الدنيا ، فيبعث فيه روح البحث والتحقيق والتفكير بذلك العالم الغيبي الأخروي ، فيقوم بدراسة واقعية دقيقة في ما يجب فعله وطبيعة التدابير اللازمة التي يجب مراعاتها ، بالشكل الذي يتناسب مع حقيقته ، فهو الموسوم بسمة البقاء والخلود الأبدي ، وهو السفر الطويل الذي ينتظره ، وذلك كله باعتبار أن الإنسان موجود مفكر ؛ لأنه الموجود الذي يمتلك قوة التفكير والإدراك ، فيرى من المنطق وجوب تهيئة جميع المستلزمات المطلوبة لذلك العالم الغيبي ، وهذا هو العامل الأساسي الذي دفع بالمجتمعات البدائية إلى البحث عن طريقة تحفظ أمواتهم ، وعقيدتهم بالحياة الأخرى دفعت بهم إلى دفن الطعام والملابس والأموال مع أمواتهم ، لعله يحتاج ذلك إليها في ذلك العالم ، على العكس من الإنسان الموحد الذي يأخذ عقائده وتعاليمه من السماء عن طريق الأنبياء والمرسلين عليهم السّلام ، فهو بالإضافة إلى عقيدته بوجود ذلك العالم ، فإنه يرسل بطعامه وشرابه قبل رحيله من عالم الدنيا ؛ وذلك من خلال فعل الخيرات وأعمال الصالحات والابتعاد عن المنكرات . وأما الشعور الرابع فهو الشعور الديني ، ويعد هذا البعد للنفس من مكتشفات بعض محققي ومحللي علم الاجتماع ، ودليلهم عليه ظهور حالة التدين وعبادة الله عند البشر منذ القدم ، التي تكشفها لنا الشواهد التاريخية ، وعلم الآثار ، والمخلفات القديمة ، وغيرها ، التي تحكي عن حالة الثبوت عبر الأجيال البشرية على امتداد التاريخ ، فيرون أنها خير دليل على فطريتها . ولكن ينبغي التنبيه على شيء مهم وهو : أن الأمر الفطري قابل للشدة والضعف ، فيتفاوت بتفاوت الأفراد ، حتى يصل إلى حالة الخمول والكمون والخفاء ، نتيجة لتعرض وتأثر الفرد بمجموعة عوامل خارجية وداخلية ، تارة تؤدي إلى تقوية هذه الأمور الفطرية ، وأخرى تؤدي إلى ضعفها وخمودها وإخفائها ، فلهذه العوامل تأثير سلبي وإيجابي ، كل بحسبه . ولكي نقف بشكل دقيق على ما نقله لنا التاريخ البشري من صور مختلفة عن
المعاد الجسماني — صفحة 28 | شاكر الساعدي