تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعاد الجسماني — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
للنفوس بعد مفارقة الأبدان التي يراها الشيخ الرئيس وغيره بمثابة المانع الذي يمنع النفس الإنسانية عن مطالعة الحقائق الوجودية ، وبالخصوص أن مشاهدة ومعرفة وإدراك هذه الحقائق والمعارف متعلق بكمال النفس ووصولها إلى مرتبة العقل التي تضاهي بها العقول المجردة الأخرى ، وهو كمالها الخاص بنظر الشيخ الرئيس ابن سينا كما جاء في كلامه : ( . . . إنّ النفس الناطقة كمالها الخاص بها أن تصير عالما عقليا مرتسما فيها صورة الكل ، والنظام المعقول في الكل ، والخير الفائض في الكل مبتدئة من مبدأ الكل إلى الجواهر الشريفة الروحانية المطلقة ، ثم الروحانية المتعلقة نوعا ما بالأبدان ، ثم الأجسام العلوية بهيئاتها وقواها ، ثم كذلك حتى تستوفي في نفسها هيئة الوجود كله ، فتنقلب عالما معقولا موازيا للعالم الموجود كله ، مشاهدة لما هو الحسن المطلق والخير المطلق والجمال والحق المطلق متحدة به ، ومنتقشة بمثال هيئته ، ومنخرطة في سلكه ، وصائرة من جوهره ، فإذا قيس هذه الكمالات المعشوقة التي للقوى الأخرى وجد في المرتبة التي بحيث يقبح معها أن يقال : إنّه أفضل وأتم منها ، بل لا نسبة إليها بوجه من الوجوه فضيلة وتماما وكمالا وكثرة و . . . وأما الدوام فكيف يقاس الدوام الأبدي بدوام المتغير الفاسد . . . وأما شدة الوصول فكيف يكون حال ما هو وصوله بملاقاة السطوح بالقياس إلى ما هو سار في جوهر قابله حتى يكون كأنه « هو هو » بلا انفصال إذا العقل والعاقل والمعقول واحد أو قريب من الواحد ، وأما أن المدرك في نفسه أكمل فأمر لا يخفى ، وأما أنّه أشد إدراكا فأمر أيضا تعرفه بأدنى تأمل وتذكر لما سلف بيانه ) . « 1 » نستشعر من بيانه لرغبة الحكماء في طلب السعادة ، أنّه يريد أن يؤكد هذه الحقيقة التي تدل على أن للنفس الإنسانية نوع سعادة لا تدرك إلا إذا وصلت وبلغت كمالها الخاص بها ، وهو مراد الحكماء في الوقت الذي قد لا تبلغ فيه النفس ذلك
هامش
( 1 ) . النجاة ، ص 293
المعاد الجسماني — صفحة 201 | شاكر الساعدي