تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
تلتفت في الليلة الماضية إلى السباع التي أحاطت بك ، وفي هذه الليلة أظهرت التوجع من هذه البعوضة . فقال : أما الليلة الماضية فقد جاءني ضيف كريم ، وسلطان عظيم [ من عالم الغيب « 1 » ] فلأجل قوته ما كنت أبالي بتلك السباع . وأما في هذه الليلة فأنا وحدي مع نفسي ، فلا أطيق تحمل إيذاء هذه البعوضة . فثبت بما ذكرنا : أن ظهور نور عالم الغيب يقوي جوهر الروح ، ويفيد النفس استيلاء على عالم الجسم . وإذا ثبت هذا ، فجوهر النفس عند القرب من الموت ، لا بد وأن يلتجئ إلى اللّه تعالى ، فتحصل المكاشفة ، فيقوى جوهر النفس قوة لا تبالي بخراب كل العالم ، فكيف تبالي بخراب البدن الضعيف . الحجة التاسعة : لو فنيت النفس بفناء الجسد ، لكانت النفس محتاجة إلى البدن ، في بقاء ذاتها ، وأما الجسد فهو محتاج إلى النفس لا في بقاء ذاته ، بل في بقاء صفاته . وهي : الكيفيات المزاجية وعلى هذا التقدير فيكون احتياج النفس إلى البدن ، أكثر من احتياج البدن إلى النفس . وما كان أكثر حاجة ، كان أخس مما هو أقل حاجة . فلو ماتت النفس بموت البدن ، لزم كون النفس أخس من البدن . وهذا باطل . لأن الجسد مع النفس يكون شريفا ، وبدون النفس يكون في غاية الخساسة . فثبت : أن النفس لا تموت بموت البدن . الحجة العاشرة : إن موت البدن عبارة عن تغير الصفات القائمة بتلك الأجسام ، فإن موت البدن لا معنى له إلا زوال تلك الكيفية المزاجية ، وزوال تلك الأعراض المعتدلة . فنقول : تعلق تلك الأعراض بتلك الأجسام ، أكمل وأقوى من تعلقها بالنفس المتصرفة في تلك الأجسام . ولما لم يكن زوال تلك الأعراض فناء تلك الأجسام « 2 » مع ما بينهما من التعلق القريب فلأن لا يكون موجبا فناء النفس مع ما بينهما من التعلق البعيد ، كان ذلك أولى .
هامش
( 1 ) سقط ( طا ، ل ) . ( 2 ) فناء النفس ( ط ) .