تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
فتعرف أحوال المسجد الحرام والمسجد الأقصى ، فإنك لا تجد في الدنيا بناء يساويهما في البقاء . وأما المرتبة الثانية : فكل كلام يتعلق بالمعاني الروحانية ، مثل : صفات الإله سبحانه وتعالى ، وأفعال الخيرات . فإنه يبقى إلى أقصى الإمكان . وإن شئت فتعرف كتب اللّه تعالى المنزلة . كالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان . ومثل : كتب الحكمة . على اختلاف أصنافها فإنها باقية على وجه الدهر ، فلما رأينا أن الجسمانيات لما تعلقت بالروحانيات بقيت بقاء عظيما ، مع أن الأصل في الجسمانيات هو الفناء والانقراض والانقضاء . فالنفس التي هي جوهرة روحانية محضة ، بحسب الذات ، وبحسب جميع الصفات ، ثم إنها محل معرفة اللّه تعالى ، التي هي الإكسير الأعظم الموجب للبقاء الدائم ، لأن تكون موصوفة [ بالبقاء والنقاء مبرأة « 1 » ] عن التغير والفناء ، كان أولى . الحجة الثامنة : الاستقراء يدل على أن الإنسان ، كلما تجلى في قلبه نور معرفة اللّه تعالى ، وانكشفت له صفات جلاله وكبريائه ، فإنه تقوى نفسه وتكمل قوته ، ويصير بحيث لا يبالي بأعظم سلاطين العالم ، ولا يقع في عينه منصب أحد البتة . وأما إذا زال ذلك الكشف والتجلي ، فإنه يعود إلى حالته الأولى بحيث يخاف من أقل الأشياء ، ويحذر أصغر الموجبات . يحكى أن « إبراهيم الخواص » كان في البادية ، ومعه بعض مريديه فاتفق في بعض الليالي ، أن وقع في مقام الكشف . فاضطجع هناك ، وأحاطت به السباع ، وأنه لم يلتفت إلى شيء منها . وأما المريدون فخافوا من تلك السباع ، فصعدوا بعض الأشجار خوفا منها ، وفي الليلة الثانية زالت تلك الحالة ، فاضطجع ، فوقعت بعوضة على يده ، فأظهر التوجع من وقع تلك البعوضة . فقال له بعض المريدين « 2 » : لم
هامش
( 1 ) من ( ل ، طا ) . ( 2 ) ذلك المريد ( م ) .