تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
إذا ثبت هذا ، فنقول : إن كون العقل موجبا للكمال والسعادة ، إنما يحصل بعد الموت . فإذا كان الغرض هو أن النفس لا تبقى البتة بعد موت البدن ، لم يحصل من العقل منفعة فيما بعد الموت ، وقد بينا أنه من أقوى الأسباب الموجبة لتنغيص هذه اللذات الجسدانية ولتكديرها ، وإبطال الانتفاع بها . وحينئذ يظهر [ عن هذا « 1 » ] أنه لو لم تكن النفس باقية بعد موت البدن « 2 » لكان الإنسان أخس الحيوانات وأرذلها ، وأدناها قدرا وقيمة . فإن امتيازها عن غيرها ، ليس إلا بالعقل الذي لا فائدة فيه . إلا تنقيص [ الخيرات « 3 » ] وتنغيص اللذات والطيبات . ولما شهدت بديهة العقل بأن هذا اللازم باطل ، وأن الإنسان أشرف الحيوانات وأعلاها قدرا وقيمة ، بسبب حصول هذا العقل له ، وظهر أن العقل سبب نقصان الخيرات الجسمانية العاجلة ، وجب القطع بأن كمال العقل [ إنما حصل « 4 » ] وجلالته ورفعته ، إنما حصل بسبب أنه سبب لحصول الكمالات فيما بعد موت « 5 » البدن . وهذا يدل على أن النفس غير البدن ، وعلى أنها باقية بعد موت البدن . وأما بيان المقدمة الثالثة : وهي قولنا : لو لم تكن النفس باقية بعد موت البدن ، لكان خلق الإنسان عبثا . فالدليل عليه : أن هذا الإنسان إما أن يكون مخلوقا للخير والمصلحة والراحة ، أو يكون مخلوقا للضرر والبلاء ، أو لا يعتبر أحد هذين القسمين . أما القسم الثاني ، فهو بعيد لما ثبت : أن الخير غالب ، والشر مغلوب . وأما القسم الثالث ، فباطل لأن هذا المعنى ، كان حاصلا عند البقاء على العدم الأصلي . فلم يبق إلا أن الحق هو القسم الأول ، وهو أنه خلق للفوز بالجنة ، والراحة ، والحكمة ، والمصلحة . فنقول : محل الفوز بتلك
هامش
( 1 ) من ( م ) . ( 2 ) الجسد ( م ) . ( 3 ) من ( م ) . ( 4 ) من ( ل ، طا ) . ( 5 ) الموت وهذا ( م ) . ، ( ل ) .
المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 126 | فخر الدين الرازي