تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
الثاني بأحد وجهيه دون الثاني . فوجب أن ينتصف ذلك النصف أيضا بالفعل . فإن كان ذلك الجسم قابلا لانقسامات لا نهاية لها لوجب أن يحصل فيه أجزاء لا نهاية لها بالفعل على الوجه الذي بيناه . إلا أن هذا القول باطل باتفاق الحكماء . فثبت : أن النتيجة التي يجب لزومها من هذه الحجة : قول باطل باتفاق الحكماء . والذي يريد الحكماء إثباته ، فإن هذه الحجة لا تفيده ولا توجبه [ فثبت « 1 » ] أن هذه الحجة حجة مغالطية باطلة . فإن قال قائل : هب أن مقصود الحكيم لا يحصل من هذه الحجة ، إلا أن أقواما آخرين لو تمسكوا بها في إثبات أن الجسم مؤلف من أجزاء غير متناهية بالفعل ، فكيف الجواب ؟ فنقول : إن هذه الحجة لا تفيد أيضا هذا المطلوب . وذلك لأن من قال بالكثرة ، فسواء كانت تلك الكثرة متناهية أو غير متناهية فإنه لا بد وأن يعترف بوجود الواحد فيها . لأن الكثرة عبارة عن مجموع الوحدات ، بدون حصول الوحدة . فالقائلون بكون الجسم مركبا من أجزاء غير متناهية ، لا بد وأن يعترفوا بوجود أشياء ، يكون كل واحد منها في نفسه واحدا . إلا أن الحجة المذكورة تبطل وجود الواحد . لأن أي شيء فرض كونه واحدا ، فإنه لا بد وأن يلقى يمينه غير ما يلقاه يساره . فيكون منقسما فلا يكون « 2 » الواحد : واحدا . فثبت أن هذه الحجة توجب حصول الكثرة بالفعل [ ولما أوجبت حصول الكثرة بالفعل ، فقد أوجبت حصول الواحد بالفعل . ولكنها تمنع حصول الواحد بالفعل « 3 » ] بالطريق الذي ذكرناه . وإذا منعت من حصول الواحد بالفعل ، فقد منعت من حصول الكثرة . فثبت : أن هذه الحجة توجب القول بحصول الكثرة ، وتمنع من القول بحصول الكثرة فهي حجة تفيد نتائج متناقضة . فهي حجة مغالطية ، لا حجة يقينية . فهذا القدر يكفي لبيان أن هذه الدلائل بأسرها : وجوه باطلة ، غير حقيقية ، ولا يقينية . وهذا القدر كاف لبيان ضعفها وسقوطها .
هامش
( 1 ) من ( ط ، س ) . ( 2 ) فيكون ( م ) . ( 3 ) من ( ط ، س ) .
المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 94 | فخر الدين الرازي