تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
بل هو أمر ممكن بحسب العقل ، ولذلك فإن جمهور أرباب الملل والأديان جازمون به . ومن المعلوم أن الذي يكون معلوم البطلان بالبديهة ، لا يمكن إطباق الخلق العظيم عليه . فثبت : أن رفع كل الحركات [ عن العقول والأذهان غير ممتنع « 1 » ] فوجب الجزم بأن المدة أمر مغاير للحركة ، ولجميع صفات الحركة . وهو المطلوب . الحجة التاسعة : إنا لا نعقل ماهية الحركة ، إلا إذا عقلنا كون المتحرك حاصلا في حيز ، [ بعد أن كان حاصلا في حيز « 2 » ] آخر . ولذلك فإن جميع العقلاء لا يفهمون من الحركة : [ إلا « 3 » ] الانتقال من حيز إلى حيز آخر ، فيكون الحصول في الحيز الثاني واقعا بعد الحصول في الحيز الأول . وهذه البعدية ليست إلا البعدية الزمانية . فثبت : أنه لا يمكن تعقل ماهية الحركة ، إلا بعد تعقل ماهية المدة والزمان . وأما تعقل المدة والزمان فإنه غني عن تعقل ماهية الحركة . بدليل : أنا لما فرضنا أن اللّه تعالى أعدم الفلك ، وأعدم الكواكب ، وأعدم كل الحركات ، ففي هذه الحالة لم يقدر عقلنا وفكرنا أن يحكم ببطلان المدة ، بل حكمت الفطرة الأصلية ، بأنه لا بد وأن يكون وقت الإعدام مغاير لوقت الوجود . وأيضا : فقد بينا أن حالنا نكون غافلين عن الفلك والشمس والقمر ، وسائر الكواكب فإنا نجد في عقلنا أمرا ممتدا مستمرا ، يحدث منه شيء فشئ ، كأنه الماء السيّال الجاري ، أو كأنه خيط ألقي على طرف سيف ، ثم جرّ . فإن الخيط يلاقي حدّ السيف جزءا فجزءا ، فكذا هاهنا . الحجة العاشرة : إن القائلين بحدوث الفلك ، بل القائلين بحدوث جميع الأجسام ، سلموا أن حدوثه قبل أن حدث : ممكن . وهذا يدل على شهادة فطرتهم الأصلية بأنه لا يعقل حدوث شيء ، إلا في مدة وزمان . وتمام التقرير في هذا الوجه : إن من القائلين بحدوث العالم ،
هامش
( 1 ) على العقول والأذهان يمنع ( ت ) . ( 2 ) سقط ( ط ) . ( 3 ) من ( س ) .
المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 30 | فخر الدين الرازي