تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
البتة ، ولا يختلف حالها في الإيجاب . وأما القادر حال حصول الداعية الجازمة في قلبه ، فإنه يجب صدور ذلك الأثر عنه ، إلا أن تلك الداعية سريعة الزوال ، سريعة الانقراض والانقضاء ، وعند زوال تلك الداعية المعينة يزول ذلك الأثر المعين ، وعند حصول الداعي إلى ضد ذلك الفعل ، يصير مصدر الضد ذلك الأثر . والإنسان إذا جرب نفسه ، واعتبر أحوال فعله وتركه ، علم بالضرورة : أن الأمر كما ذكرناه ، فإنه إذا حصلت الداعية الخالية الجازمة عن القيود ، والمعارض في قلبه ، صار كالملجإ إلى ذلك الفعل . وإذا فرت تلك الداعية ، صار تاركا لذلك الفعل . وقد ذكر بعض العلماء في هذا المقام كاملا لطيفا ، فقال : إن قال قائل : إني أجد من نفسي أني إن شئت أن أفعل فعلت ، وإن شئت أن أترك تركت . فيكون الفعل مني ، والترك منيّ . ثم أجاب عنه . فقال : يقال لهذا القائل : هب أنك إن شئت الفعل فعلت ، وإن شئت الترك تركت . فهل تجد من نفسك أنك إن شئت مشيئة الفعل ، حصلت مشيئة الفعل ، وإن شئت مشيئة الترك ، حصلت مشيئة الترك ؛ أم لا ؟ فإن هذا يوجب التسلسل ، بل العقل يجزم بأن هذه الدواعي تنتهي في سلسلة الحاجة إلى داعية تقع في قلبك ، لا لأجل داعية أخرى . وإذا وقعت تلك الداعية في قلبك صرت فاعلا لذلك الفعل لا محالة ، فلا حصول الداعية في قلبك بك . ولا ترتب ذلك الفعل على حصول تلك الداعية بك . فالإنسان مضطر في صورة مختار . فقد ثبت حصول الفرق بين الموجب بالطبع وبين القادر المختار من هذين الوجهين . فإن ادعيت حصول الفرق بينهما من وجه آخر ، فذلك ممنوع . وأما حصول الأمر والنهي والعقاب والثواب والمدح والذم . فقد ذكرنا الأجوبة عنه في مسألة خلق الأفعال . وباللّه التوفيق « 1 » .
هامش
( 1 ) وباللّه التوفيق ( م ) .