تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
فظهر بهذه البيانات : أن هذه الدلائل التي تمسك بها نفاة الرؤية في غاية الضعف والسقوط . وأما مثبتو « 1 » الرؤية فقد عولوا على أن قالوا : اللّه تعالى موجود ، وكل موجود فإنه تصح رؤيته ودليلهم في الإثبات : أن كل موجود تصح رؤيته : قد ذكرناه في أحكام الموجودات ، وأوردنا عليه اعتراضات قوية ، لا يمكن دفعها البتة وإذا عرفت ضعف دلائل الفريقين فنقول : بقي هذا البحث في محل التوقف ، إلا أنا رأينا الأنبياء والرسل عليهم السلام مخبرين عن حصول هذه الرؤية ، ورأينا أصحاب المكاشفات يخبرون عن وقوع أحوال كأنها جارية مجرى المقدمات لهذه الرؤية ، فقوي الظن في جواز وقوعها وحقائق الأشياء لا يعرفها بتمامها إلا اللّه الحكيم .
هامش
( 1 ) لا يصح لهم الإثبات بدليل عقلي . لورود النص بمنع الرؤية في قوله تعالى :« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »[ الأنعام 103 ] ولأن القضية الكبرى كاذبة فإن العقل موجود ، ولا يرى والإنسانية لا ترى ، والشجاعة لا ترى . وهي أشياء موجودة على رأى المؤلف وابن سينا . وقول المؤلف : إن الرؤية تثبت 1 - بأخبار الأنبياء 2 - ورؤى المتصوفة : قول يدل على منع الرؤية . فإن الرؤى لا تثبت عقائد دينية . وأخبار الأنبياء دلت على منع الرؤية . ففي التوراة في أسفار موسى الخمسة لما طلب موسى عليه السلام من اللّه أن يراه : قال له : لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش . وهذا النص يمنع الرؤية ، لأن الانسان لا يتحمل الرؤية . وفي سفر أشعياء : « حقا : أنت إله محتجب يا إله إسرائيل » وفي إنجيل يوحنا : « اللّه لم يره أحد قط » واليهود يقولون : إن اللّه لا يرى - بضم الياء - كما يقول العقلاء من المسلمين . والنصارى خالفوا النصوص المقدسة عندهم التي تمنع الرؤية ، وقالوا : بجواز الرؤية ، لأنهم يعتقدون - زورا - أن اللّه ظهر للناس في جسد المسيح . فالناس لما رأوا المسيح ، فإنهم قد رأوا اللّه - على زعمهم - ودخل زعمهم هذا في عقائد بعض المسلمين ، كما دخل زعمهم في كلمة اللّه التي هي أقنوم العلم عندهم لقد زعموا إن الكلمة التي هي المسيح ، قديمة مع الله . فيكون المسيح الذي هو الكلمة إلها قديما - اللّه تعالى عما يقولون علوا كبيرا - فيكون الكلام زائدا على الذات . وفي الأحاديث النبوية : أن عائشة - رضى اللّه عنها - قالت : من حدثكم أن محمدا قد رأى ربه ، فقد أعظم الفرية . ثم قرأت« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »وهذا النص محكم لأن له تفسيرا واحدا هو منع الإدراك وفي القرآن نصان متشابهان هما : 1 -« إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ »2 -« إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ »والنص الأول يحتمل أنهم محجوبون عن رضا اللّه ورحمته ، لا عن رؤية وجهه . والنص الثاني يحتمل أنهم ينظرون إلى نعم اللّه وخيراته على أهل الجنة . والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال ، صار متشابها ، ويلزم رده . والحالة هذه إلى المحكم ، لبيان مراد اللّه عز وجل .
المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 87 | فخر الدين الرازي