تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
والمعقول من كونه ذاتا قائما بالنفس ، مغاير للمعقول من كونه عالما قادرا . ولذلك فإنه يمكننا أن نعقل كونه ذاتا قائمة بالنفس مع الشك في كونه تعالى عالما قادرا ، والمعلوم مغاير لغير المعلوم ، فيثبت : أن العلم والقدرة صفتان قائمتان بالذات . وبيان أن كل ما كان موصوفا بالصفات فلا بد وأن يكون جسما حاصلا في الحيز : هو أن المعقول من قيام الصفة بالذات كون الصفة حاصلة في تلك الجهة المعينة ، تبعا لحصول محلها في تلك الجهة . فإنا إذا رفعنا هذا المعنى من العقل فحينئذ لا يبقى في العقل تفاوت بين الذات وبين الصفة . وحينئذ لا يكون كون أحدهما ذاتا والآخر يجب أن يكون حاصلا في الحيز ، لزم القطع بكونه تعالى حاصلا في الحيز . والحاصل : أنه ثبت أنه لا معنى لا تصاف الذات بالصفة إلا حصول الصفة في الجهة المعينة ، تبعا لحصول محلها في تلك الجهة . ثم إن المعتزلة قالوا : لكنه يمتنع كونه تعالى حاصلا في الحيز ، فيمتنع كونه موصوفا بالصفات . والمجسمة قالوا : لكنه ثبت كونه موصوفا بالصفات ، فوجب الجزم بكونه تعالى حاصلا في الحيز . الشبهة الخامسة : إني رأيت مناظرة طويلة ، جرت بين مشبه وموحد ، فلخصت تلك المناظرة وضممت إليها زوائد كثيرة . وهي هذه : قالوا : لا شك أن كل موجودين فلا بد وأن يكون أحدهما مجانبا للآخر أو مباينا عنه . والمراد من المجانبة كون كل واحد منهما بجنب الآخر ، أي أن « 1 » يكون أحدهما ساريا في الآخر . وهذا هو المراد من لفظ المجانبة ، فليكن المراد معلوما منه ، إذا ثبت هذا فنقول : كون كل موجودين في الشاهد كذلك إما أن يكون بخصوص كونه جوهرا ، أو بخصوص كونه عرضا ، أو لأمر مشترك بين الجوهر والعرض ، وذلك المشترك إما الوجود أو الحدوث والكل باطل سوى الوجود ، فوجب أن تكون العلة لذلك الحكم هي الوجود فقط ، والباري تعالى موجود فوجب الجزم بأنه تعالى لا بدّ وأن يكون إما مجانبا للعالم ، أو مباينا عنه بالجهة .
هامش
( 1 ) أي أن : ( س ) الآخر أن يكون ( و ) .