ومصوّر بمعنى أنّه هو الذي يصوّر كل واحد من الأشخاص بصورته الخاصة ، وعلى هذا الوجه ظهر الفرق بين هذه الأسماء الثلاثة .
الوجه الثالث : أنّ البارئ مشتقّ من البري وهو التراب ، هكذا قاله ابن دريد ، والعرب تقول بفيه البري أي التراب ، فالخالق يدلّ على أنّه تعالى أوجد الأشياء من العدم ، والباري يدلّ على أنّه تعالى ركّب الإنسان من التراب ، كما قال :
مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ
( طه : 55 ) ومصوّر من حيث أنّه أعطاه الصورة المخصوصة ، كما قال :
وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ
( غافر : 64 ) . قال أبو سليمان الخطابي : وللفظة الباري اختصاص بالحيوان أزيد مما لسائر المخلوقات ، فيقال برأ اللّه الإنسان ، وبرأ النسم ، ولا تقل برأ اللّه السماء والأرض ، وكانت يمين علي بن أبي طالب عليه السلام التي يحلف بها ؛ والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، وهذا يؤيّد قول ابن دريد ، وأمّا المصوّر فهو مأخوذ من الصورة .
وفي اشتقاق لفظ الصورة قولان : الأول : من الصور وهو الإمالة قال تعالى :
فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ
( البقرة : 260 ) أي أملهن ؛ وفي حديث عكرمة « وحملة العرش كلهم صور » يريد جمع أصور ، وهو مائل العين ، فالصورة هي الشكل المائل إلى الأحوال المطابقة للمصلحة والمنفعة . والثاني : أنّ الصورة مأخوذة من صار يصير ، ومنه قولهم : إلى ما ذا صار أمرك ، ومادة الشيء هي الجزء الذي باعتباره يكون الشيء ممكن الحصول ، وصورته هي الجزء الذي باعتباره يكون الشيء حاصلا كائنا لا محالة ، فلا جرم كانت الصورة منتهى الأمر ومصيره . إذا عرفت هذا فنقول : لا شكّ أنّ الأجسام متساوية في ذاتها ، ويرى كل جسم مختصّا بصورة خاصّة ، وشكل خاص ، والذوات المتماثلة إذا اختلفت في الصفات كانت تلك الصفات جائزة العدم والوجود ، والجائز لا بدّ له من مرجّح ومخصّص ، فافتقرت الأجسام بأسرها في صورها المخصوصة ، وأشكالها المخصوصة إلى مخصّص قادر ، وهو اللّه سبحانه ، فثبت أنّه سبحانه وتعالى هو المصوّر ، ثم إنّه سبحانه خصّ صورة الإنسان بمزيد العناية ، كما قال :
وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ
( غافر : 64 ) وقال :
صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً
( البقرة : 138 ) وقال بعد أن شرح خلق الإنسان :
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
( المؤمنون : 14 ) هذا هو الكلام في تفسير هذه الأسماء الثلاثة . ( لو ، 216 ، 7 ) - حظ العبد من هذه الأسماء الثلاثة ( خالق ، بارئ ، مصوّر ) قليل . أمّا الخالق فقد رجع حاصله إلى العلم ، وأمّا البارئ فقد رجع حاصله إلى القدرة ، فحظ العبد من الأول تكميل القوة النظريّة بمعرفة الحقائق ، ومن الثاني تكميل القوة العمليّة بمحاسن الأخلاق ، وإليهما الإشارة بقول الخليل :
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً
( الشعراء : 83 ) .
إشارة إلى تكميل القوة النظرية
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
( يوسف : 101 ) إشارة إلى تكميل القوة العمليّة ، فإذا صار هكذا فقد صار تامّا في ذاته تماما يليق بالبشريّة ، فيجب بعده أن يشتغل بتكميل غيره ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي
( يوسف : 108 ) وهذا هو حظ العبد من اسمه المصوّر ، لأنّه