تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المصابيح — صفحة 495

مساهمون:

ص٤٩٥
عليها ، وهو أسمر نحيف خفيف العارضين ، فشغل قلبي الفكر فيه ، وأنا في ذلك الطواف إذ مرت بي عجوز من عجائز أهل المدينة تطوف ، فلما وقعت عينها عليه أتته ، فقالت : بأبي أنت وأمي يا بن رسول اللّه ، الحمد للّه الذي أرانيك في هذا الموضع آمنا . فلما عرفه الناس ازدحموا عليه فمد يده إلى نعله فانتعلهما « 1 » ، وخرج من المسجد إلى منزله . قال أبو إسحاق إبراهيم بن رباح « 2 » في حديثه : سمعت عبد اللّه بن محمد بن الزبير ، وكان أبوه خاصة الرشيد ، وذلك أنه كان صاحب رقيق بالمدينة ، وكان الرشيد يبتاع منه الجواري « 3 » ، فصار عدة منهن أمهات أولاد ، وكان الفضل بن الربيع يأنس به . قال إبراهيم : فحدثني عبد اللّه ، عن أبيه قال : دخلت مع الفضل يوما إلى الرشيد ، فرأيت يحيى بن عبد اللّه « 4 » بين يديه ، والرشيد يقرعه ويعتد عليه بأشياء ، وفي كم يحيى بن عبد اللّه كتب ، فجعل يحيى يدخل يده فيخرج كتابا ، ثم يناوله الرشيد ، ويأخذ بطرفه ، ويقول : اقرأ هذا يا أمير المؤمنين فإذا أتى على قراءته أدخله كمه ، وأخرج كتابا آخر ففعل مثل ذلك ، قال : واعلم أن تلك الكتب حجج ليحيى ، فعرض لي أن تمثلت بقول الشاعر :
أنا أتيحت له حرباء تنضبة * لا يرسل الساق إلّا ممسكا ساقا
قال : فأقبل عليّ الرشيد مغضبا ، فقال : تؤيده وتلقنه وتؤازره ؟ فقلت : لا واللّه يا أمير المؤمنين ما هكذا أنا ولا كنت على هذا قط ، ولكني رأيته فعل شيئا في هذه الكتب أذكرني هذا الشعر ، يناول الكتاب فلا يخليه في يدك ، ويمسك طرفه بيده ، ثم يرده إلى كمه ، ويخرج غيره ، فأذكرني هذا البيت .
هامش
( 1 ) في ( أ ، د ) : نعله فانتعلها . ( 2 ) أبو إسحاق هو إبراهيم بن رباح ، يروي عن عبد اللّه بن محمد بن الزبير السالف الذكر ، كان والده من خاصة الرشيد ، إذ كان أحد تجار الرقيق بالمدينة ، وكان الرشيد يبتاع منه الجواري ، ولم نقف على مزيد من أخباره غير ما هنا . ( 3 ) نهاية الصفحة [ 291 - أ ] . ( 4 ) ورد الاسم في ( ج ) : يحيى بن عبد اللّه بن زيد ، وهو تصحيف .
المصابيح — صفحة 495 | الإمام أبو العباس الحسني