قدر عليه . وهذا في غاية البطلان فالعبد له مشيئة وقدرة على الاختيار - كما تقدم - وهو فاعل حقيقة قال تعالى
وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ
« 1 » ، وقال جل شأنه
وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
« 2 » وقال جل شأنه
الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
« 3 » . ولو صح الاحتجاج بالقدر لما حدت الحدود وفرضت الفرائض وخلقت الجنة والنار واللّه سبحانه وتعالى يقول :
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
« 4 » . وهذا لا ينافي القول بأن اللّه سبحانه وتعالى خلق أفعال العباد كلها وقدرها عليهم . ولقد تطرق شارح الطحاوية لهذه المسألة الدقيقة في معرض رده على المعتزلة الذين زعموا : أن القول بأن العبد محدث لفعله من غير أن يكون للّه مشيئة أمر لا بد منه - ومما قاله : إنه لا منافاة بين كون العبد محدثا لفعله وكون هذا الإحداث وجب وجوده بمشيئة اللّه تعالى كما قال تعالى :
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
فقوله
فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
إثبات للقدر بقوله
فَأَلْهَمَها
وإثبات لفعل العبد بإضافة الفجور والتقوى إلى نفسه ، ليعلم أنها هي الفاجرة والمتقية وقوله بعد ذلك :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها
إثبات أيضا لفعل العبد ، ونظائر ذلك كثيرة .
وهذه شبهة أخرى من شبه القوم التي فرقتهم . . . وهي أنهم قالوا : كيف يستقيم الحكم على قولكم بأن اللّه يعذب المكلفين على ذنوبهم وهو خلقها فيهم ؟
فأين العدل في تعذيبهم على ما هو خالقه وفاعله فيهم ، وهذا السؤال لم يزل مطروقا في العالم على ألسنة الناس وكل منهم يتكلم في جوابه بحسب علمه ومعرفته وعنه تفرقت بهم الطرق :
فطائفة أخرجت أفعالهم عن قدرة اللّه تعالى .
وطائفة أنكرت الحكم والتعليل وسدت باب السؤال .
وطائفة أثبتت كسبا لا يعقل جعلت الثواب والعقاب عليه .
هامش
( 1 ) سورة البقرة / 197 .
( 2 ) سورة الحج / 77 .
( 3 ) سورة غافر / 17 .
( 4 ) سورة النساء / 165 .