هذا بأن معنى الآية :
قُولُوا أَسْلَمْنا
انقدنا بظواهرنا ، فهم منافقون في الحقيقة ، وهذا أحد قولي المفسرين في هذه الآية الكريمة . وأجيب بالقول الآخر ورجح ، وهو أنهم ليسوا بمؤمنين كاملى الإيمان لا أنهم منافقون كما نفى الإيمان عن القاتل ، والزاني ، والسارق ، ومن لا أمانة له . يؤيد هذا سياق الآية ، فإن السورة من أولها إلى هنا في النهى عن المعاصي ، وأحكام بعض العصاة ، ونحو ذلك ، وليس فيها ذكر المنافقين . ثم قال بعد ذلك :
وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً
« 1 » ولو كانوا منافقين ما نفعتهم الطاعة ، ثم قال :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا
« 2 » الآية ، يعنى - واللّه أعلم - أن المؤمنين الكاملى الإيمان ، هم هؤلاء ، لا أنتم بل أنتم منتف عنكم الإيمان الكامل ، يؤيد هذا : أنه أمرهم ، أو أذن لهم أن يقولوا : أسلمنا ، والمنافق لا يقال له ذلك ، ولو كانوا منافقين لنفى عنهم الإسلام ، كما نفى عنهم الإيمان ، ونهاهم أن يمنوا باسلامهم فأثبت لهم إسلاما ونهاهم أن يمنوا به على رسوله ، ولو لم يكن إسلاما صحيحا لقال : لم تسلموا ، بل أنتم كاذبون ، كما كذبهم في قولهم :
نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ
« 3 » « 4 » . اه .
وهناك رأى ثالث في المسألة وهو القول بالتلازم بينهما مع افتراقهما فمتى قرن الإسلام والإيمان كان المراد بالإسلام الأعمال الظاهرة والمراد بالإيمان أعمال القلب - وهذا يدل عليه حديث جبريل عليه السلام عندما سأل النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : « يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا . قال صدقت . قال فعجبنا له يسأله ويصدقه . قال فأخبرني عن الإيمان : قال أن تؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال : صدقت . . . الحديث « 5 » وإن ذكر أحدهما شمل الآخر . وهو ما يدل عليه حديث وفد عبد القيس حيث فسر الإيمان
هامش
( 1 ) سورة الحجرات / 14 .
( 2 ) الحجرات / 15 .
( 3 ) سورة المنافقون / 1 .
( 4 ) شرح العقيدة الطحاوية ص : 392 - 393 .
( 5 ) رواه مسلم : 1 / 36 - 37 واللفظ له من حديث عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه . ورواه البخاري : 1 / 114 ومسلم : 1 / 39 من حدث أبي هريرة رضى اللّه عنه .