تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 559

مساهمون:

ص٥٥٩
مجرى العقل ومخطاه وهو معزول عما بعد ذلك ، إلا عن تفهم ما يلقيه الطبيب إليه . فهذه أمور عرفناها بالضرورة الجارية مجرى المشاهدة ، في مدة الخلوة والعزلة . ثم رأينا فتور الاعتقادات في أصل النبوة ، ثم في حقيقة النبوة ، ثم في العمل بما شرحته النبوة ، وتحققنا شيوع ذلك بين الخلق ؛ فنظرت إلى أسباب فتور الخلق ، وضعف إيمانهم ، فإذا هي أربعة : 1 - سبب من الخائضين في علم الفلسفة . 2 - وسبب من الخائضين في طرق التصوف . 3 - وسبب من المنتسبين إلى دعوى التعليم . 4 - وسبب من معاملة الموسومين بالعلم بين الناس . فإني تتبعت مدة آحاد الخلق ، أسأل من يقصر منهم في متابعة الشرع ، وأسأله عن شبهته وأبحث عن عقيدته وسره ، وقلت له : " ما لك تقصر فيها ؟ فإن كنت تؤمن بالآخرة ولست تستعد لها وتبيعها بالدنيا ، فهذه حماقة ! فإنك لا تبيع الاثنين بواحد ، فكيف تبيع ما لا نهاية له بأيام معدودة ؟ وإن كنت لا تؤمن ، فأنت كافر ، فدبر نفسك في طلب الإيمان ، وانظر ما سبب كفرك الخفي الذي هو مذهبك باطنا ، وهو سبب جرأتك ظاهرا ، وإن كنت لا تصرح به تجملا بالإيمان وتشرفا بذكر الشرع ! " . فقائل يقول : هذا أمر لو وجبت المحافظة عليه ، لكان العلماء أجدر بذلك ، وفلان من المشاهير بين الفضلاء لا يصلي ، وفلان يشرب الخمر ، وفلان يأكل أموال الأوقاف وأموال اليتامى ، وفلان يأكل إدرار السلطان ولا يحترز عن الحرام ، وفلان يأخذ الرشوة على القضاء والشهادة ! وهلم إلى أمثاله . . . وقائل ثان يدعي علم التصوف ، ويزعم أنه قد بلغ مبلغا ترقّى عن الحاجة إلى العبادة وقائل ثالث يتعلل بشبهة أخرى من شبهات أهل الإباحة ! وهؤلاء هم الذين ضلوا عن التصوف . وقائل رابع لقي أهل التعليم فيقول : " الحق مشكل ، والطريق إليه منسد ، والاختلاف فيه كثير ، وليس بعض المذاهب أولى من بعض ، وأدلة العقول متعارضة ، فلا ثقة برأي أهل الرأي ، والداعي إلى التعليم متحكم لا حجة له ، فكيف أدع اليقين بالشك ؟ " . وقائل خامس يقول : " لست أفهل هذا تقليدا ، ولكني قرأت علم الفلسفة ، وأدركت حقيقة النبوة ، وأن حاصلها يرجع إلى الحكمة والمصلحة ، وأن المقصود من تعبداتها ضبط عوام الخلق وتقيدهم عن التقاتل والتنازع والاسترسال في الشهوات ؛ فما أنا من العوام الجهال حتى أدخل في حجر التكليف ، وإنما أنا من الحكماء اتبع الحكمة وأنا بصير بها مستغن فيها عن التقليد ! ؟ .