تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 513

مساهمون:

ص٥١٣
يهلل اللّه تعالى ويسبحه ويقدسه ، ولو برز منها قمر واحد إلى سماء الدنيا لعبد من دون اللّه ولأحرقها نوره ، فحينئذ ينادي مناد من الحضرة القدسية من وراء السرادقات : من هذه النفس التي جئتم بها ؟ فيقول : فلان بن فلان ، فيقول الجليل جل جلاله : قربوه فنعم العبد كنت يا عبدي ! فإذا وقفه بين يديه الكريمتين أخجله ببعض اللوم والمعاتبة حتى يظن أنه قد هلك ثم يعفو عنه سبحانه . كما روي عن يحيى بن أكثم القاضي وقد رئي في المنام فقيل له : ما فعل اللّه بك ؟ فقال : وقفني بين يديه ثم قال يا شيخ السوء فعلت كذا وفعلت كذا ، فقال يا رب ما بهذا حدثت عنك ، قال : فبما ذا حدثت عني يا يحيى ؟ فقلت : حدثني الزهري عن معمر عن عروة عن عائشة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم عن جبريل عنك سبحانك أنك قلت إني لأستحي أن أعذب شيبة شابت في الإسلام . فقال : يا يحيى صدقت وصدق الزهري وصدق معمر وصدق عروة وصدقت عائشة وصدق محمد وصدق جبريل ، وقد غفرت لك . وعن ابن بنانة وقد رئي في المنام فقيل له : ما فعل اللّه بك ؟ فقال : وقفني بين يديه الكريمتين وقال أنت الذي تلخص كلامك حتى يقال ما أفصحه ؟ قلت : سبحانك إني كنت في الدنيا أصفك ، قال قل كما كنت تقول في دار الدنيا ! قلت : أماتهم الذي خلقهم ، وأسكتهم الذي أنطقهم ، وسيوجدهم كما أعدمهم ، وسيجمعهم كما فرقهم . قال لي : صدقت اذهب قد غفرت لك . وعن منصور بن عمار أنه رئي في المنام فقيل له : ما فعل اللّه بك ؟ قال : وقفني بين يديه الكريمتين وقال لي بما ذا جئتني يا منصور ؟ قلت : بستة وثلاثين حجة ، قال لي : ما قبلت منها ولا واحدة ، ثم قال : بما ذا جئتني ؟ قلت : بثلاثمائة وستين ختمة قرأتها لوجهك الكريم ، قال : ما قبلت منها واحدة ، ثم قال لي : بما ذا جئتني يا منصور ؟ فقلت : جئتك برحمتك ، قال سبحانه : الآن جئتني ، اذهب فقد غفرت لك ! وكثير من هذه الحكايات تخبز بهذه الأمور . وإنما حدثتك شيئا ليقتدي به المقتدي واللّه المستعان . ومن الناس من إذا انتهى إلى الكرسي وسمع النداء ردوه ، فمنهم من يرد من الحجب ، وإنما يصل إلى اللّه تعالى عارفوه ، ولا يقف بين يديه إلا أهل المقام الرابع فصاعدا .

فصل

وأما الفاجر فتؤخذ نفسه عنفا ، فإذا وجهه كآكل الحنظل ، والملك يقول : أخرجي أيتها النفس الخبيثة من الجسد الخبيث ! فإذا له صراخ أعظم ما يكون كصراخ الحمير ، فإذا عزرائيل ناولها زبانية قباح الوجوه ، سود الثياب ، منتني الريح ، بأيديهم مسوح من شعر ، فيلفونها فيه ، فتستحيل شخصا إنسانيا على قدر الجرادة ، فإن الكافر أعظم جرما من المؤمن ، يعني الجسم في الآخرة . وفي الصحيح أن ضرس الكافر في النار مثل أحد . قال فيعرج به حتى ينتهي إلى باب سماء الدنيا ، فيقرع الأمين الباب ، فيقال : من أنت ؟ فيقول : أنا قياييل ، فيقال : من
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 513 | الغزالي