تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 510

مساهمون:

ص٥١٠
هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي فهم بعمل أهل الجنة يعملون وهؤلاء إلى النار ولا أبالي فهم بعمل أهل النار يعملون . فقال آدم عليه السلام : يا رب وما عمل أهل النار ؟ قال : الشرك بي ، وتكذيب رسلي ، وعصيان كتابي في الأمر والنهي . قال آدم عليه السلام : أشهدهم على أنفسهم عسى أن لا يفعلوا ! فأشهدهم على أنفسهم : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى شهدنا ! وأشهد عليهم الملائكة وآدم أنهم أقروا بربوبيته ثم ردهم إلى مكانهم . وإنما كانوا أحياء أنفسا من غير أجسام ، فلما ردهم إلى صلب آدم عليه السلام أماتهم وقبض أرواحهم وجعلها عنده في خزانة من خزائن العرش ، فإذا سقطت النقطة المتعوسة أقرت في الرحم حتى تمت صورتها والنفس فيها ميتة . فلجوهرها الملكوتي منعت الجسد من النتن ، فإذا نفخ اللّه تعالى فيها الروح رد إليها سرها المقبوض منها الذي خبأه زمانا في خزانة العرش فاضطرب المولود . فكم من مولود دب في بطن أمه فربما سمعته الوالدة أو لم تسمعه ! فهذه موته أولى وحياة ثانية .

فصل

ثم إن اللّه عز وجل أقامه في الدنيا أيام حياته حتى استوفى أجله المحدود ورزقه المقدور وآثاره المكتوبة . فإذا دنت موتته ، وهي الموتة الدنيوية ، فحينئذ نزل عليه أربعة من الملائكة : ملك يجذب النفس من قدمه اليمنى ، وملك يجذبها من قدمه اليسرى ، وملك يجذبها من يده اليمنى ، وملك يجذبها من يده اليسرى . وربما كشف للميت عن الأمر الملكوتي قبل أن يغرغر ، فيعاين الملائكة على حقيقة عمله على ما يتحيزون إليه من عالمهم ، فإن كان لسانه منطلقا تحدث بوجودهم ، فربما أعاد على نفسه الحديث بما رأى ، وظن أن ذلك من فعل الشيطان ، فسكن حتى يعقل لسانه ، وهم يجذبونها من أطراف البنان ورؤوس الأصابع والنفس تنسل انسلال القذارة من السقاء ، والفاجر تسلّ روحه كالسفود من الصوف المبلول ، هكذا حكى صاحب الشرع عليه الصلاة والسلام . والميت يظن أن بطنه ملئت شوكا كأنما نفسه تخرج من خرم إبرة ، وكأنما السماء انطبقت على الأرض وهو بينهما ، ولهذا سئل كعب رضي اللّه عنه عن الموت فقال : كغصن شوك أدخل في جوف رجل فجذبه إنسان ذو قوة فقطع ما قطع وأبقى ما أبقى . وقال عليه الصلاة والسلام : لسكرة من سكرات الموت أشد من ثلاثمائة ضربة بالسيف . فعندها يرشح جسده عرقا ، وتزور عيناه ، وتمتد أرنبته ، وترتفع أضلاعه ، ويعلو نفسه ، ويصفر لونه . ولما عاينت عائشة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في هذه الحالة وهو مستلق في حجرها وهي تكفكف الدمع جعلت تقول شعرا :
بنفسي أفدي ما غصّك * من الهايعات وما توجع
وما مسّك الجنّ من قبل ذا * وما كنت ذا روعة تفزع
وما لي أنظر في وجهك * كمثل الصّباغ إذا ينقع
إذا شحب اللون من ميّت * فأنوار وجهك قد تسطع