تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 516

مساهمون:

ص٥١٦
والقرآن إمامي ، والكعبة قبلتي ، وإبراهيم أبي ، وملته ملتي ، غير مستعجم ، فيقولان له : صدقت ! ويفعلان به كالأول ، إلا أنهما يفتحان له بابا من النار من تلقاء شماله ، فينظر إلى حيّاتها وعقاربها وأغلالها وسلاسلها وحميمها وجميع ما فيها من صديدها وزقومها ، فيفزع فيقولان له : لا عليك سوء ، هذا موضعك كان من النار قد أبدله اللّه تعالى به موضعك هذا من الجنة ، نم سعيدا ! ثم يغلقان عنه باب النار ولم يدر ما مرّ عليه من الشهور والأعوام والدهور . ومن الناس من ينعجم في مسألته ، وإن كانت عقيدته مختلفة امتنع أن يقول اللّه ربي ، وأخذ يذكر غيرها من الألفاظ ، فيضربانه ضربة يشتعل قبره منها نارا ، ثم يطفأ عنه أياما ، ثم يشتعل عليه أيضا ، ثم دأبه ما بقيت الدنيا . ومن الناس من يعتاص عليه ويعسر أن يقول الإسلام ديني ، بشك كان يتوهمه ، أو فتنة تقع به عند الموت ، فيضربانه ضربة واحدة فيشتعل عليه قبره نارا كالأول . ومن الناس من يعسر عليه أن يقول القرآن إمامي ، لأنه يتلوه ولا يتعظ به ولا يعمل بأوامره ولا ينتهي بنواهيه ، يطوف عليه دهره ولا يعظ نفسه خيره ، فيفعل به ما فعل بالأولين . ومن الناس من يستحيل عمله جروا يعذب به في قبره على قدر جرمه . في الأخبار أن من الناس من يستحيل عمله خنّوصا وهو ولد الخنزير . ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول محمد نبيّي ، لأنه كان ناسيا لسنّته . ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول الكعبة قبلتي ، لقلة تحريه في صلاته ، أو فساد في وضوئه ، أو التفات في صلاته ، أو اختلال في ركوعه وسجوده ، ويكفيك ما روي في فضائلها أن اللّه لا يقبل صلاة ممن عليه صلاة ومن عليه ثوب حرام . ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول أبي إبراهيم ، لأنه سمع كلاما يوما أوهمه أن إبراهيم كان يهوديّا أو نصرانيّا ، فإذا هو شاب مرتاب ، فيفعل به ما فعل بالآخرين . وكل هذه الأنواع كشفناها في كتاب الإحياء .

فصل

وأما الفاجر فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : لا أدري ، فيقولان له : لا دريت ولا عرفت ! ثم يضربانه بتلك المقامع الحديد حتى يتجلجل في الأرض السابعة ، ثم تنقضه الأرض في قبره ، ثم يضربانه سبع مرات ، ثم تختلف أحوالهم فمنهم من يستحيل عمله كلبا ينهشه حتى تقوم الساعة ، وهم المرتابون ، وهي أنواع تعتري أهل القبور ، وإنما آثرنا الاختصار في ذكرها ، وأصلها أن الرجل إنما يعذب في قبره بالشيء الذي كان يخافه في الدنيا ، فمن الناس من يخاف الجرو أكثر ، وطبائع الخلق مفترقة . نسأل اللّه السلامة والغفران قبل الندامة . وقد روي عن غير واحد من الموتى أنه رئي في المنام فقيل له : كيف كان حالك ؟ فقال : صليت بلا وضوء فوكل اللّه علي ذئبا يروعني في قبري ، فحالي معه أسوأ حال . وآخر رئي في المنام فقيل : ما فعل اللّه بك ؟ فقال دعني فإني لم أتمكن في غسل يوم من الجنابة فألبسني اللّه ثوبا من نار أتقلب فيها إلى يوم القيامة . ورئي آخر فقيل : ما فعل اللّه بك ؟ فقال : الغاسل الذي