تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 509

مساهمون:

ص٥٠٩

الدّرّة الفاخرة في كشف علوم الآخرة

خطبة الكتاب

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد اللّه الذي خص نفسه بالدوام ، وحكم على من سواه بالانصرام ، وجعل الموت حال أهل الكفر والإسلام ، وفصل بعلمه بين تفاصيل الأحكام ، وجعل حكم الآخرة خلفا للمعهود من الأيام ، وأنهج ذلك لمن يشاء من خلقه أهل الإكرام ، وصلّى اللّه على سيدنا محمد رسول الملك العلام ، وعلى آله وصحبه الذين خصهم بجزيل الإنعام في دار السلام . أما بعد ، فقد قال اللّه تعالى
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
[ آل عمران : 185 ] وثبت ذلك في كتابه العزيز في ثلاثة مواضع . وإنما أراد اللّه سبحانه وتعالى الموتات الثلاث للعالمين ، فالمتحيز إلى العالم الدنيوي يموت ، والمتحيز إلى العالم الملكوتي يموت ، والمتحيز إلى العالم الجبروتي يموت . فالأول آدم وذريته وجميع الحيوانات على ضروبه الثلاث ، والملكوتي وهو الثاني أصناف الملائكة والجن ، وأهل الجبروتي فهم المصطفون من الملائكة . قال اللّه تعالى :
اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ
[ الحج : 75 ] فهم كروبيون وروحانيون وحملة العرش وأصحاب سرادقات الجلال الذين وصفهم اللّه تعالى في كتابه وأثنى عليهم حيث يقول :
وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ
[ الأنبياء : 19 ، 20 ] وهم أهل حظيرة القدس المعينون المنعوتون بقول اللّه تعالى :
لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ
[ الأنبياء : 17 ] وهم يموتون على هذه المكانة من اللّه تعالى والقربى ، وليس زلفاهم بمانعة لهم من الموت . فأول ما أذكر لك عن الموت الدنيوي فألق أذنيك لتعي ما أورده وأصفه لك بنقل عن الانتقال من حال إلى حال إن كنت مصدقا بالله ورسوله واليوم الآخر ، فإني ما آتيك إلا ببينة ، شهد اللّه على ما أقول ويصدق مقالتي القرآن ، وما صح من حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .

فصل

لما قبض اللّه القبضتين اللتين قبضهما عندما مسح على ظهر آدم عليه السلام ، فكل ما جمعه في جمعه الأول إنما جمع من شقه الأيمن ، وكل ما جمع في الآخر إنما جمع من شقه الأيسر ، ثم بسط قبضته سبحانه فنظر إليهم آدم في راحتيه الكريمتين وهم أمثال الذر ثم قال :
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 509 | الغزالي