تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 506

مساهمون:

ص٥٠٦
ثلاث ، فمد يده رابعة فاحترق وهلك فخرج عفان وهو يقول : أهلك الشيطان أهلك الشيطان ، فناداه التنين : ادن أنت وجرب ، فهذا الخاتم لا يقع في يد أحد إلا في يد محمد صلى اللّه عليه وسلم إذا بعث ، فقل له إن أهل الملأ الأعلى قد اختلفوا في فضلك وفضل الأنبياء قبلك ، فاختارك اللّه على الأنبياء ، ثم أمرني فنزعت خاتم سليمان فجئتك به ، فأخذه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأعطاه عليّا فوضعه في إصبعه ، فحضر الطير والجان والناس يشاهدون ويشهدون ، ثم دخل الدمرياط الجني ، وحديثه طويل ، فلما كانوا في صلاة الظهر تصور جبرائيل عليه السلام بصورة سائل طائف بين الصفوف ، فبينا هم في الركوع إذ وقف السائل من وراء علي عليه السلام طالبا ، فأشار علي بيده فطار الخاتم إلى السائل ، فضجت الملائكة تعجبا ، فجاء جبرائيل مهنيا وهو يقول أنتم أهل بيت أنعم اللّه عليكم
لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
فأخبر النبي بذلك عليّا فقال علي عليه السلام : ما نصنع بنعيم زائل ، وملك حائل ، ودنيا في حلالها حساب ، وفي حرامها عقاب ؟ فإن اعترض المفتي وقال : كيف قاتل معاوية على الدنيا ، فالجواب أنه قاتل على حق هو له يصل به إلى حق ، وأما التحكيم فباطل غير صحيح ، لأن التحكيم إنما يكون على موجود ومحدود ومعروف ومعلوم غير مجهول ، هذا فقه وشرع ، ثم قولوا ما تريدون ، فمن أراد أن ينظر في كشف ما جرى فيطلع في كتاب صنفته وسميته " كتاب نسيم التسنيم " ، وفي قصص ذي القرنين كفاية ، وكتاب رياض النديم لابن أبي الدنيا ، وانظر في كتاب الأقاليم ، وانظر في كتاب المسالك والممالك ، وكتب الماوردي الموصلي . ثم إذا أردت أن تعرف سعة الأفلاك بعضها على بعض ، فاعلم أن سعة الأرض قطع الكوكب في ليلة واحدة ، وأما الفلك الهوائي فقد يقطعه القمر في شهر ، فانظر الفرق في ليلة وشهر . ثم الفلك الناري يقطعه الشمس في سنة ، ثم فلك زحل وهو الأعلى يقطع فلكه في ست وثلاثين سنة ، ثم فوقه الكرسي والعرش الذي هو سقف الجنان الثمانية التي واحدة منهن بعرض السماوات والأرضين . وخذ دليلك من هذا المساق المذكور ، فما لهمتك ناقصة لا ترفعها إلى درج المعالي ، ولا تكسوها سهم السعادة ، بل أنت مشغول بعلف النفس وخدمتها ، فأنت كالذي عشق حمارة فاشتغل بها ، ففاته سير القافلة ، فظهر له قاطع الطريق . وهذه دار أحلام ، والأنبياء مفسرو المنام ، فعند الانتباه يتبين لك صحة التأويل . أما سمعت الإشارة : " والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا " ؟ ومثلك في دنياك كمثل طفلين في بطن واحد قال أحدهما لصاحبه : أما أخرج ، عسى أن أرى غير هذا المكان والعالم ! فلما خرج رأى سعة الدنيا ، هل يطيب له أن يعود إلى ضيق بطن أمه ؟ وهكذا إذا خرجت إلى سعة آخرتك لا يطيب لك العود إلى دنيا حملتك كضيق حمل أمك . ومثلك في باب مولاك كرجل أراد الدخول إلى ملك وهو جائع ، فوجد على باب الملك كلبا ورغيفا ، فالكلب يصده عن الدخول ؛ فإن كان ذا همة عالية آثر حضرة الملك على الرغيف ، فيدخل إلى الملك فيحظى بالمآكل اللينة وينسى جوعه ، لأنه
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 506 | الغزالي