تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 472

مساهمون:

ص٤٧٢
جعل يقول الوزير الوزير حتى برق بارق الصبح ، فسمعنا هدة عظيمة ، فسألنا عنها فقيل هي دار الضيافة وقعت على ثمانية وأربعين رجلا . وعند طلوع الشمس جاءنا كتاب الطائر يقول فيه : لا تزعجوا الشيخ فقد وقع الحمام على الوزير . ثم التفت الشيخ إليّ وقال : من أي أرض أنت ؟ فقلت : من أرض اللّه تعالى ، فقال : أنت من أرض الهركاز ، أنت يوسف بن علي ، حملوك على قتلي وزعموا أني زنديق ، وكان حجتنا بالشام ، ثم قال لي : اكتب على صفة الحالة ( شعر ) :
باتوا وحتفي أماني لنيتهم * وبت لم يحضروا مني على بال
وفوّقوا لي إشارات سهامهم * فأصبحت وقعا مني بأميال
فما ظنونك أنّ جندي ملائكة * وجندهم بين طواف وحجال
لقيتهم بعصا موسى التي منعت * فرعون ملكا ونجت آل إسرال
أقيم خمسين صوم الدهر ألفه * واد من الذّكر أبكارا لآصال
عيدين أفطر في عامي إذا حضرا * عيد الأضاحي ويقفو عيد شوال
إذا تنافست الجلاس في حلل * رأيتني من خسيس القض سربالي
لا آكل الحيوان الدّهر مأثرة * أخاف من سوء أعمالي وآمالي
نهيتهم عن حرام الشّرع كلّهم * ويأمروني بترك المنزل العالي
وأعبد اللّه لا أرجو مثوبته * لكن تعبد إكرام وإجلال
أصون ديني عن جعل أؤمله * إذا تعبد أقوام بأجعال
فإذا كنت أيها الملك على هذا الوصف بلغت المقاصد ، ووصلت إلى المشرب الهنيء ، ونكبت أعداءك ، وتصير مثل دعاء القلنسوة والنجاشي ، وربما تكون أنت الملك السفياني يفتح لك الحصون من غير تعب ، ويجود بك الذرع والضرع والزرع ، إذ الناس بالمال ، وربما تسعد بهذه الحالات كما سعد الإسكندر . فما قد كان يجوز أن يكون ، وقد قال في خطبة البيان : لا بد من ظهور ملك عادل زاهد خائف ، يمهد البلاد ويحسن إلى العباد وهذا بعد ثلاث وسبعين بما شاء اللّه . وهذه من الخواطر الربانية كيف ظهرت فراشتها في كشف الأمور المغيبة ، فإذا رق حجاب القلب يرتفع السد ، يتبين له ما في اللوح المحفوظ فيخبر بما في عالم الغيب من غير ريب ، واللّه عالم الغيب يعلمه من يشاء ، والملوك تودع سرها عند من تحبه وتختاره ، وقد سمعت حكاية أياز مع السلطان محمود ، فانتبه أيها الملك لهذه النكت والإشارات ، وقد نصحت لكم إن كنتم تحبون الناصحين . والملك بالعلماء أليق من الفجرة الفاسقين ، ولكن ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا ، ولا بد للأرض من ناصر ووارث يورثها من يشاء من عباده .