تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 469

مساهمون:

ص٤٦٩
بعرش ربي بارزا . فقال عليه السلام : مؤمن نوّر اللّه قلبه الآن عرفت فالزم ! واقسم عمرك وأيّامك ودهرك أثلاثا : ثلثا لنفسك ، وثلثا لرعيّتك ، وثلثا لربّك » . واعلم أن الناس بك لائذون لطلب منافعهم ، وكل أحد يريدك لنفسه إلا اللّه ، فإنه يريدك لك ، فكن معه ولازمه ولا تستهويك الأماني ، فالظل لا بد أن يزول ولو عمرت ما عاش آدم ، أخبرني الأستاذ الجويني عن مشايخه : قيل لمحمود بن بويه : كيف عمدت إلى طلب المملكة ولم تكن لها أهلا ؟ فقال : سمعت امرأة تنقر دفا وتقول بيتا لعمر بن سبطي ( شعر ) :
من هاب خاب وجاسر بلغ المنا * والدّهر فيه عذوبة وعذاب
فحملني ذلك على طلبها فطلبتها ونلتها . وقد تحالى المتنبي حيث قال ( شعر ) :
فثب واثقا بالله وثبة حازم * يرى الموت في الهيجا جنا النّخل في الفم
وانظر إلى علو همة الحلاج ، وإن كان قد قال الحاسدون فيه ورجموه بالحلول ، وقد تلقى الموت غير خائف ، ونطق ظاهره بما أعمى جهلتهم ، حتى قيل لأبي العباس بن شريح : ما تقول في الحلاج ؟ قال : ما أقول في رجل هو أفقه مني في الفقه ، وفي الحقيقة ما أفهم ما يقول ، فقيل له : ما سمعت منه من جملة ما سمعت ؟ قال : سمعت في بعض كلامه وهو يشير إلينا : من حضر بطلت شهادته ، ومن غاب صحت ، وفي مثل هذا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : " حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين " لأنهم واقعون مع صف التجلي ، فما لهم والندم على ما كان والخوف مما يكون ، صفت أحوالهم في راووق المجاهدة ، فامتنعوا بطريق الدلال لا عن الالتفات إلى غيره ، فطاروا بأجنحة علومهم المجموعة في المجاهدة والتصفية والتزكية فخرقوا حجاب الناسوت حتى وصلوا إليه ، ضاقت بهم العبودية فخرجوا عن حيز العالمين ، فمزجت الناسوتية بصفات اللاهوتية ، ثم عادت النفوس الطاهرة إلى معادنها ، فهبت عليهم نسمات واجب الوجود ، فحلوا في خيام الراحة بعد البعث في مقعد صدق عند مليك مقتدر كما قال السكران من العشق ( شعر ) :
إنّما الحبّ فناء كلّه * رحم اللّه امرأ قال به
إنّ من أضحى بقلبي سالما * لم يذر منه سوى قالبه
في ظلال الشّوق قلبي راقد * من هجير الهجر قد قال به
فإن لم تكن أيها الملك الطالب لا بهمة علوية ولا بيد باسطة سبعية فأنت كما قيل ( شعر ) :
إذا كنت لا ترجى لدفع ملمة * ولا لذوي الحاجات عندك مطمع
ولا أنت ذو جاه يعاش بجاهه * ولا أنت يوم الحشر ممّن يشفع
فعيشك في الدّنيا وموتك واحد * وعود خلال من حياتك أنفع
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 469 | الغزالي