تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
[ الكهف : 65 ] وهذه الطريقة لا تفهم إلا بالتجربة ، وإن لم تحصل بالذوق لم تحصل بالتعليم ؛ والواجب التصديق بها حتى لا تحرم شعاع سعادتهم ، وهو من عجائب القلب . ومن لم يبصر لم يصدق كما قال سبحانه وتعالى :
بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ
[ يونس : 39 ] وقوله :
وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ
[ الأحقاف : 11 ] .

فصل

ولا تحسب أن هذا خاص بالأنبياء والأولياء ؛ لأن جوهر ابن آدم في أصل الخلقة موضوع لهذا كالحديد لأن يعمل منه مرآة ينظر فيها صورة العالم ، إلا الذي صدأ فيحتاج إلى إجلاء ، أو جدب فيحتاج إلى صقل أو سبك ، لأنه قد تلف ، وكذلك كل قلب إذا غلب عليه الشهوات والمعاصي لم يبلغ هذه الدرجة ، وإن لم تغلب عليه تلك الدرجة كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : " كلّ مولود يولد على فطرة الإسلام " وقال اللّه تعالى :
وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
[ الأعراف : 172 ] وكذلك بنو آدم في فطرتهم التصديق بالربوبية كما قال سبحانه وتعالى :
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها
[ الروم : 30 ] والأنبياء والأولياء هم بنو آدم ، قال سبحانه وتعالى :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
[ فصلت : 6 ] فكل من زرع حصد ، ومن مشى وصل ، ومن طلب وجد . والطلب لا يحصل إلا بالمجاهدة - طلب شيخ بالغ عارف قد مشى في هذا الطريق - وإذا حصل هذان الشيئان لأحد فقد أراد اللّه له التوفيق والسعادة بحكم أزلي حتى يبلغ إلى هذه الدرجة .

فصل في أن اللذة والسعادة لابن آدم في معرفة الله سبحانه وتعالى

اعلم أن سعادة كل شيء ولذته وراحته ولذة كل شيء تكون بمقتضى طبعه ، وطبع كل شيء ما خلق له ؛ فلذة العين في الصور الحسنة ، ولذة الأذن في الأصوات الطيبة ، وكذلك سائر الجوارح بهذه الصفة ؛ ولذة القلب الخاصة بمعرفة اللّه سبحانه وتعالى ، لأنه مخلوق لها ، وكل ما لم يعرفه ابن آدم إذا عرفه فرح به ، مثل الشطرنج إذا عرفها فرح بها ، ولو نهي عنها لم يتركها ولا يبقى له عنها صبر . وكذلك إذا وقع في معرفة اللّه سبحانه وتعالى فرح بها ، ولم يصبر عن المشاهدة ، لأن لذة القلب المعرفة وكلما كانت المعرفة أكبر كانت اللذة أكبر ؛ ولذلك فإن الإنسان إذا عرف الوزير فرح ، ولو علم الملك لكان أعظم فرحا . وليس موجود أشرف من اللّه سبحانه وتعالى ، لأن شرف كل موجود به ومنه ، وكل عجائب العالم آثار صنعته ، فلا معرفة أعز من معرفته ، ولا لذة أعظم من لذة معرفته ، وليس منظر أحسن من منظر حضرته . وكل لذات شهوات الدنيا متعلقة بالنفس وهي تبطل بالموت ، ولذة معرفة الربوبية متعلقة بالقلب فلا تبطل بالموت ؛ لأن القلب لا يهلك بالموت بل تكون لذته
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 426 | الغزالي