من أحد إلّا وله شيطان ولي شيطان ، وإنّ اللّه قد أعانني على شيطاني حتّى ملكته " وكذلك الشهوة والغضب ينبغي أن يكونا تحت يد العقل ، فلا يفعلا شيئا إلا بأمره ، فإن فعل ذلك صح له حسن الأخلاق ، وهي صفات الملائكة وهي بذر السعادة ، وإن عمل بخلاف ذلك فخدم الشهوة والغضب صح له الأخلاق القبيحة ، وهي صفات الشياطين وهو بذر الشقاء ، فيتبين له في نومه كأنه قائم مشدود الوسط يخدم الكلب والخنزير ، وكان مثله كمثل رجل مسلم يأخذ رجالا مسلمين يحبسهم عند كافرين . فكيف يكون حالك يوم القيامة إذا حبست الملك وهو العقل تحت يد الشهوة والغضب وهما الكلب والخنزير ؟
فصل
واعلم أن الإنسان في صورة ابن آدم اليوم ، وغدا تنكشف له المعاني فتكون الصور في معنى المعاني ؛ فأما الذي غلب عليه الغضب فيقوم في صورة الكلب ، وأما الذي غلب عليه الشهوة فيقوم في صورة الخنزير ؛ لأن الصور تابعة للمعاني ، وإنما يبصر النائم في نومه ما صح في باطنه . وإنما عرفت أن الإنسان في باطنه هذه الأربعة ، فيجب أن يراقب حركاته وسكناته ، ويعرف من أي الأربعة هو ، فإن صفاته تحصل في قلبه وتبقى معه إلى يوم القيامة ، وإن بقي من جملة الباقيات الصالحات شيء فهو بذر السعادة ، وإن بقي معه غير ذلك فهو بذر الشقاء ، وابن آدم لا ينفك ولا ينفصل عن حركة أو سكون ، وقلبه مثل الزجاج . وأخلاق السوء كالدخان والظلمة ، فإذا وصل إليه ذلك أظلم عليه طريق السعادة وأخلاق الحسن كالنور والضوء ، فإذا وصل إلى القلب طهره من ظلم المعاصي كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : " أتبع السّيّئة الحسنة تمحها " . والقلب إما مضيء أو مظلم ، ولا ينجو إلا من أتى اللّه بقلب سليم .
فصل
واعلم أن الشهوة والغضب اللتين في البهائم جعلتا أيضا في ابن آدم ، ولكنه أعطي شيئا آخر زيادة عليها للشرف والكمال ، وبذلك تحصل له معرفة اللّه تعالى ، وجملة عجائب صنعه ، وبه يخلص نفسه من يد الشهوة والغضب وتحصل له صفات الملائكة ، ولذلك يظفر بالسباع والبهائم وتصير كلها مسخرة له كما قال سبحانه وتعالى :
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
[ الجاثية : 13 ] .
فصل في عجائب القلب
اعلم أن للقلب بابين للعلوم : واحد للأحلام ، والثاني لعلم اليقظة ، وهو الباب الظاهر إلى الخارج ؛ فإن نام غلق باب الحواس ، فيفتح له باب الباطن ، ويكشف له غيب من عالم الملكوت ومن اللوح المحفوظ فيكون مثل الضوء ، وربما احتاج كشفه إلى شيء من تعبير الأحلام ، وأما ما كان من الظاهر فيظن الناس أن به اليقظة وأن اليقظة أولى بالمعرفة مع أنه لا