تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
صلى اللّه عليه وسلم : " إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق " . وقال تعالى شأنه :
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
[ القلم : 4 ] . مثال ذلك السخاوة بين التبذير والبخل ، والشجاعة بين التهور والجبن ، والاقتصاد بين الإسراف والإقتار ، والتواضع بين التكبر والدناءة ، والعفة بين الشهوة والخمود ، فهذه الأخلاق لها طرف إفراط وطرف تقصير وهما مذمومان والوسط ليس من الإفراط ولا من التقصير فهو على غاية البعد من كل طرف ، ولذلك قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : " خير الأمور أوساطها " مثال ذلك الوسط الخط الهندسي الفاصل بين الظل والشمس لا من الظل ولا من الشمس ، والتحقيق في ذلك أن كمال الآدمي في المشابهة بالملائكة وهم منفكون عن هذه الأوصاف المضادة ، وليس في إمكان الإنسان الانفكاك عنها بالكلية ، فكلفه اللّه تعالى بما يشبه الانفكاك ، وإن لم يكن حقيقة الانفكاك وهو الوسط فإن الفاتر لا حار ولا بارد ، والعودي لا أبيض ولا أسود ، فالبخل والتبذير من صفات الإنسان ، والمقتصد السخي كأنه لا بخيل ولا مبذر ، فالصراط المستقيم وهو الوسط الحق بين الطرفين الذي لا ميل له إلى أحد الجانبين وهو أدق من الشعر ، فالذي يطلب غاية البعد من الطرفين يكون على الوسط ، ولو فرضنا حلقة حديد محماة بالنار وقعت نملة فيها وهي تهرب بطبعها من الحرارة فلا تموت إلا على المركز لأنه الوسط الذي هو غاية البعد من المحيط المحرق ، وتلك النقطة لا عرض لها ، فإذا الصراط المستقيم هو الوسط بين الطرفين ولا عرض له . فهو أدق من الشعر ، ولذلك خرج عن القدرة البشرية والوقوف عليه فلا جرم بورود أمثالنا النار بقدر ميله عنه ، كما قال تعالى :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا
[ مريم : 71 ] . وقال تعالى :
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ
[ النساء : 129 ] . فإن العدل بين المرأتين في المحبة والوقوف على درجة متوسطة لا ميل فيه إلى إحداهما كيف يدخل تحت الإمكان ؟ فمن استقام في هذا العالم على الصراط المستقيم الذي يحكي اللّه تعالى حقيقته عن النبي صلى اللّه عليه وسلم :
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ
[ الأنعام : 153 ] . مرّ على صراط الآخرة مستويا من غير ميل لأنه في هذا العالم عود نفسه التحفظ عن الميل ، فصار ذلك وصفا طبيعيا له فإن العادة طبيعية خامسة . هذا حق قطعا كما ورد به الشرح وجاء في الحديث : " يمرّ المؤمن على الصّراط كالبرق الخاطف " .

فصل في الجنان

اللذات المحسوسة الموجودة في الجنان من أكل وشرب ونكاح يجب التصديق بها لإمكانها ، وهي كما تقدم حسي وخيالي وعقلي . أما الحسي ، فبعد رد الروح إلى البدن كما ذكرنا ، وأما الكلام في أن بعض هذه اللذات مما لا يرغب فيها مثل اللبن والإستبرق والطلح المنضود والسدر المخضود ، فهذا مما خوطب به جماعة يعظم ذلك في أعينهم ويشتهونه غاية الشهوة ، وفي كل صنف وكل إقليم مطاعم ومشارب وملابس تختص بقوم دون قوم ، ولكل واحد في الجنة ما يشتهيه كما قال تعالى :