تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
وكلما ازداد عمقه ازدادت تلك الدائرة ، فإذا ألقينا حجرا آخر قبل تمام هذه الدائرة لم يلزم أن تكون حركة الماء في النوبة الثانية كحركته في النوبة الأولى ، لأن الماء في الأولى ساكن وفي الأخرى متحرك ، فإن تشكيل الحجر للمتحرك خلاف تشكيله للساكن ، فتخلف الأشكال مع تساوي الأسباب لامتزاج أثر السابق باللاحق . وهب أن تشكلا للمتحرك وافق شكلا آخر فكيف يكون مقومات الثوابت والاوجات وسائر الجواهر على مثل ما كان عليه في التشكل الأول ، فلا يستحيل أن يكون في التقدير الأزلي للأدوار دور يخالف هذه الأدوار يقتضي نمطا من نظام الوجود والإبداع على خلاف النمط المعهود ، ولا يستحيل أن يكون ذلك النمط بديعا لم يسبق له نظير ، ولا أن يكون حكمه باقيا لا يلحقه مثل الدور السابق المنسوخ . فيبقى النمط الحاصل من الإبداع مستمرا في جنسه ، وإن كانت تتبدل أحواله فيكون ميعاد ميعاد القيامة الكبرى حصول ذلك التشكل الغريب من الأسباب العالمية ، فيكون سببا كليا جامعا لجميع الأرواح ، فيعم حكمها كافة الأرواح فتكون قيامة عامة مخصوصة بوقت لا تتسع القوة البشرية لمعرفتها . أعني لمعرفة وقتها ولا الأنبياء المرسلون عليهم الصلاة والسلام ، فإن الأنبياء أيضا يكشف لهم ما يكشف بقدر احتمالهم وقبولهم ، فإذا لم يقم برهان كلامي ولا فلسفي على استحالته وجب التصديق به إذا ورد الشرع به تشريحا لا يتطرق إليه الاحتمال والتأويل ، وقد صرح الشرع به تصريحا ضروريا يجب الأيمان به ولا يمكن تأويله ، وكما جاز أن يحدث دور بشكل يحدث بسببه أنواع من الحيوانات لم يعهد مثلها ، فكذلك يجب أن يحدث زمان يحشر فيه الموتى وتجمع أجزاؤهم وتعود إلى أشباحهم أرواحهم ، فكما أن الجاهل يتأمل فصل الشتاء ويتعجب إن يحصل فيه نبات وثمال إذا ورد فصل الربيع عاين ذلك وبين زماني الفصلين بعد في هذه الدار ، فكذلك بين زمان النشأة الأولى التي تحصل للإنسان بالتناسل ، وزمان النشأة الأخرى التي تحصل للإنسان بالإحياء والإعادة بعيد لا يقاس أحدهما على الثاني .

فصل في إعادة النفس إلى البدن

عود النفس إلى البدن بعد مفارقتها عنه في القيامة أمر ممكن غير مستحيل ، ولا ينبغي أن يتعجب منه ، بل التعجب من تعلق النفس بالبدن في أول الأمر أظهر من تعجب عودها إليه بعد المفارقة ، وتأثير النفس في البدن تأثير فعل وتسخير . ولا برهان على استحالة عود هذا وصيرورة هذا البدن مستعدا مرة أخرى لقبول تأثيره وتسخيره . بقي هاهنا تعجب من ضعفاء العقول ، وهو أن ذلك الاستعداد الإنساني يحصل قليلا قليلا بالتدريج من نطفة في قرار مكين ثم من علقة إلى تمام الخلقة ، وإذا لم يكن كذلك لا يقبل استعداد قبول التسخير ودفع هذا التعجب . إنا قد بينا أن ما هو ممكن بالتدريج إنما هو التوالد ، وأما التولد فلا يكون بالتدرج بل حدوثه ممكن دفعة واحدة . ألا ترى أن الفأر الذي يتوالد يكون بالتدريج وباجتماع الذكر والأنثى وبعد حمل وسفاد ، وأن التولدي منه يكون دفعة فإنه لم يوجد قط مدر ولا تراب بعضه