تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
همة صاحب الحاجة وهي استيلاء صاحب تلك الروح العزيزة على صاحب الحاجة ، وكما تؤثر مشاهدة صور صورة الحي في حضور ذكره وخطورة نفسه بالبال ، فكذلك تؤثر مشاهدة ذلك الميت ومشاهدة تربته التي هي حجاب قالبه ، فإن أثر ذلك الميت في النفس عند غيبة قالبه ومشهده ليس كأثره في حال حضوره ومشاهدة قالبه ومشهده ، ومن ظن أنه قادر على أن يحضر في نفس ذلك الميت عنده غيبة مشهدة كما يحضر عند مشاهدة مشهده ، فذلك ظن خطأ ، فإن للمشاهدة أثرا بيّنا ليس للغيبة مثله ، ومن استعان في الغيبة بذلك الميت لم تكن هذه الاستعانة أيضا جزافا ولا تخلو من أثر ما كما قال النبي عليه الصلاة والسلام : " من صلّى علي مرّة صلّيت عليه عشرا " . " ومن أجاب المؤذّن حلّت له شفاعتي " . " ومن زار قبري حلّت له شفاعتي " . فالتقرب بقالبه الذي هو أخص الخواص له وسيلة تامة متقاضية للشفاعة والتقرب بولده الذي هو بضعة منه ، ولو بعد توالد وتناسل ، والتقرب بولده الذي هو بضعة منه ، ولو بعد توالد وتناسل ، والتقرب بمشهده ومسجده وبلدته وعصاه وسوطه وبعله وعضادته والتقرب بعادته وسيرته والتقرب بكل ما له منها مناسبة إليه تقرب موجب للقرب إليه مقتض لشفاعته ، فإنه لا فرق عند الأنبياء في كونهم في دار الدنيا وفي كونهم في دار الآخرة لا في طريق المعرفة ، فإن آلة المعرفة في الدنيا الحواس الظاهرة وفي العقبى آلة يعرف بها الغيب إما في كسوة مثال ، وإما على سبيل التصريح ، وأما الأحوال الآخر في التقرب والقرب والشفاعة فلا تتغير ، والركن الأعظم في هذا الباب الإمداد والاهتمام من جهة الممد ، وإن لم يشعر صاحب الوسيلة بذلك المدد ، فإنه لو وضع شعر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أو عضادته أو سوطه على قبر عاص أو مذنب نجا ذلك المذنب ببركات تلك الذخيرة من العذاب ، وإن كان في دار إنسان أو بلدة لا يصيب تلك الدار وأهلها وتلك البلدة وسكانها ببركاتها بلاء ، وإن لم يشعر بها صاحب الدار وساكن البلدة ، فإن اهتمام النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو في العقبى مصروف إلى ما هو به منسوب ، ودفع المكاره والأمراض والعقوبات مفوضة من جهة اللّه تعالى إلى الملائكة ، وكل ملك حريص على إسعاف ما حرص النبي صلوات اللّه عليه بهمته إليه عن غيره ، كما كان في حال حياته ، فإن تقرب الملائكة بروحه المقدسة بعد موته أزيد من تقربه به في حال حياته . وقد حكي أن أبا طاهر الهجري القرمطي رفع إنسانا على عنقه حتى يجر ميزاب الكعبة ، فمات الإنسان على عاتقه وخرّ هو ميتا ، وأن جماعة من المصريين نقبوا في جدار روضة النبي صلى اللّه عليه وسلم وقصدوا إخراج شخصه ونقله إلى مصر كان ذلك في نصف الليل ، فسمع أهل المدينة صوتا من الهواء احفظوا نبيكم معاشر المسلمين ، احفظوا نبيكم فأوقدوا السراج بل أوقدوا السرج والشموع والمشاعل . ورأوا ذلك النقب في الجدار وحوله جماعة من المصريين موتى . ونقل أنه صلى اللّه عليه وسلم غرس غصنا رطبا في قبر إنسان وقال : رفع اللّه تعالى عن صاحبه العذاب ما دام هذا الغصن رطبا ، وذلك من بركات يديه صلى اللّه عليه وسلم وكل من أطاع سلطانا وعظمه ، فإذا دخل بلده ورأى فيها