تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
متعلق بما يتعلق بالرسول عليه الصلاة والسلام من صلاة عليه أو زيارة لقبره أو جواب المؤذن والدعاء له عقيبه وغير ذلك مما يحكم علاقة المودة والمحبة والمناسبة معه .

الركن الرابع في أحوال ما بعد الموت

فصل في عذاب القبر

في عذاب القبر ، النفس إذا فرقت البدن حملت القوة الوهمية معها كما ذكرناها ، وتتجرد عن البدن منزهة ليس يصحبها شيء من الهيئات البدنية ، وهي عند الموت عالمة بمفارقتها عن البدن وعن دار الدنيا متوهمة نفسها الإنسان المقبور الذي مات ، وعلى صورته كما كان في الدنيا يتخيل ويتوهم وتتخيل بدنها مقبورا ويتخيل الآلام الواصلة إليها على سبيل العقوبات الحية على ما وردت به الشرائع الصادقة ، فهذا عذاب القبر ، وإن كانت سعيدة تتخيله على صورة ملائمة على وفق ما كانت تعتقده من الجنات والأنهار والحدائق والغلمان والولدان والحور العين والكأس من المعين ، فهذا ثواب القبر فلذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام : " القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران " . فالقبر الحقيقي هذه الهيئات ، وعذاب القبر وثوابه ما ذكرناهما ، والنشأة الأخرى خروج النفس عن غبار هذه الهيئات كما يخرج الجنين من القرار المكين ، كما قال تعالى :
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
[ يس : 79 ] . وقوله تعالى :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ
[ يس : 80 ] . دليل ظاهر ومثال بيّن لهذه النشأة .

فصل

قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : " من مات فقد قامت قيامته " ، الفاء هنا للتعقيب يعني قامت قيامة الميت عند موته . مثال ذلك : من سرق نصابا كاملا من حرز ، فقد استحق قطع يده ، وهذا عقاب لا يتأخر عن هذا الفعل . وقال تعالى أيضا :
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ
[ الأنفال : 16 ] . والقيامة الكبرى ميعاد عند اللّه تعالى لا يجليها لوقتها إلا هو ، وعلمها عند اللّه ، والأوقات والأزمنة وإن كان فيها تشابه فلكل واحد منها خواص ببعض أنواع الوجود يعتبر ذلك في أوقات الحرث والنسل وغيرهما ، وعند المتكلمين يرجع ذلك إلى مشيئة اللّه تعالى ، فإنه تعالى يخصص وقتا يوجد فيه موجودا بإرادته ومشيئته مع أن الأوقات متشابهة بالإضافة إلى القدرة وإلى ذات القديم سبحانه وتعالى ، والفلاسفة يقولون : إن مبادئ الحوادث حركات الأفلاك ، وإن أدوارها مختلفة ، وكل شكل من تشكلات مباين غيره من التشكلات مقرر ذلك في براهين أقليدس ، إذ كل تشكل وكل عودة كل من تلك التشكلات لا تعود بعينها ، وبذلك يبطلون دعوى المنجمين في التجربة لكل عودة وتشكل من تشكلات الفلك ، فيجوز أن يتجدد دور مباين لسائر الأدوار تحدث فيه الحيوانات غريبة الشكل لم ير مثلها قبلها قط ، وإذا ألقينا حجرا في الماء يحدث فيه شكل مستدير تكون استدارة هذا الشكل مناسبة لعمقه